نشر فى : الأحد 24 يناير 2016 - 11:50 م | آخر تحديث : الأحد 24 يناير 2016 - 11:50 م

أجلس على شاطئ النهر فى صباح ينايرى مشمس حنون، استمتع بلا اهتمام، فالشمس والنهر أشياء عادية، دائمة منذ آلاف السنين، لا تتغير. النيل يجرى من الجنوب إلى الشمال ويتفرع فى الدلتا، والشمس تعبره كل يوم من الشرق إلى الغرب. معا يرسمان علامة العَنْخ، علامة الحياة.


اليوم نهرنا ملوث بكل الملوثات، من الصرف الصحى إلى مخلفات المصانع، وقريبا سنرى آثار سد النهضة الإثيوبى، سينخفض النهر، ربما يجف. أرضنا الخصبة، هذه الطينة السمراء التى أعطت مصر اسمها الأول، «كيميت»، تتدهور؛ لم يعد النيل يهاديها كل عام بالطمية الجديدة، تحاصَر، تسرطَن، ترتفع فوقها المبانى. الشمس، نرفض أن نتعامل معها على أنها صديق فنستمد منه طاقة وحياة، بل نوقع عقودا لاستيراد الفحم الأسود، وعقودا لبناء مفاعل نووى ــ فى الوقت الذى تنهار فيه بنيتنا التحتية بفعل عدم الصيانة وانعدام الكفاءة.


فى فوران العمل والتفاؤل الذى أتت به ثورة ٢٥ يناير توجهت الوفود الشعبية إلى الجنوب لتصلح مع جيراننا ما أفسدته عقود من الإهمال المتعجرف، لتتباحث حول التنمية المشتركة مع بلاد حوض النيل. انتهى كل هذا، ذهب حيث ذهب الكثير الغالى من يناير ٢٠١١: الأرواح والأفكار والطاقة والأمل.


أما النظام الحاكم فيحاول الربح على جميع الأوجه. ينسب نفسه إلى «ثورة ٢٥ يناير المجيدة» ثم يحاصرها بين «عيد الشرطة» و«ثورة ٣٠ يونيو». يسهب فى الإطراء على «الشباب المصرى»، ويقيم حربا ضارية على كل واحد فيهم كان له أى شبهة علاقة بالثورة. المئات من شبابنا الآن فى السجون، والعشرات اختطفوا واختفوا اختفاء قسريا.


وفى تصعيد منذ أسابيع تم طعن أحد شباب الصحفيين فى محطة مترو وتركوه على الأرض على أنا قد مات. وهؤلاء الشباب لا يراهم أحد، فحكومات العالم وإعلامه تصر على خطاب الثنائية القديم وتصور الصراع على أنه بين نظام عسكرى مرتبط بعالم المال والأعمال ضد تجمعات إسلامية مختلفة.

ثلاثة حقائق أساسية:


الأولى: فى يناير ٢٠١١ خرج الناس تحت راية صريحة: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».


الثانية: بالرغم من كل الادعاءات وكل الاتهامات، لم يكن بمقدور أى فرد أو مجموعة أن يحركوا هذه الجموع. نعم كان للنشطاء دور فى بلورة وتسييس المطالب، فى إدارة الاحتجاجات والاعتصامات والمحافظة عليها، فى حماية الأفراد والدفاع عنهم فى وجه نظام مبارك، لكن الجماهير ــ حين التقت الظروف المطلوبة فى لحظة عجيبة ــ اندفعت إلى الثورة، وكانت تعرف تماما ماذا تريد.


الثالثة: الشعب يدرك الآن أنه أبعد ما يكون عن المطالب التى خرج لها وجهر بها. قتلوا منه الآلاف، استدرجوه إلى لحظة فاشية طويلة تورط فيها فى استحسان قتل الآخرين، ولن تعود عليه التضحية ولن يعود عليه الذنب بأى نفع. المشاريع الضخمة الرنانة التى تُفاخِر بها الحكومة ــ حتى إن كانت حقيقية ــ لن تحَسِّن من حياة الفقراء. أعداد المواطنين العاديين الذين تحتجزهم وتعذبهم أجهزة الأمن زادت عن أى وقت مضى. وحتى فى حربه المختارة، الحرب على الإرهاب، يُظهِر النظام فشله.المقومات الأساسية لحياة الناس ــ الوظائف، السكن، النقل، المستشفيات، المدارس ــ أحوالها تسوء يوما عن يوم. الأسباب إلى دفعت بالناس إلى الشوارع والميادين فى ٢٠١١ كلها موجودة، وكلها تزداد حدة.


لكن هناك أيضا فروقا بين ٢٠١١ واليوم، فالأمل الطاغى المستبشر الذى أطلقه هروب بن على السريع حل محله اليوم الهلع مما نراه من ليبيا وسوريا واليمن. والناس عندهم شعور أنهم عملوا ما يمكنهم ــ الثورة، الانتخابات وحكم الإسلاميين ــ ولم يصلوا إلى النتيجة المرجوة. يتساءلون: أين البديل لما نحن فيه؟


والنظام يحاول توصيد جميع الأبواب أمام إمكانية أن يظهر بديل: يعلن المجموعات الأهلية جماعات إرهابية خارجة على القانون، يلغى نتائج انتخابات اتحاد الطلاب، يغلق المسارح وأماكن اللقاءات الثقافية، يزج بالصحفيين والمصورين والطلبة والأطباء والمهندسين فى سجون قاسية.
ولذا، فحين يأتى الانفجار، سيكون انفجارا مَنْشَؤه اليأس لا الأمل. سيكون انفجار جموعٍ شهدت الموت أو غضت الطرف عنه لسنوات، انفجار شعبٍ لم يعد بريئا. لن يأبه هذا الانفجار بهتافات «سلمية! سلمية!»، وعلى كل حال، فأغلب المنادين بعدم استعمال العنف قد استشهدوا أو أودعوهم السجون، أو غادروا البلاد. عيد ثورتنا الخامس يقترب، ونلمس يوما بعد يوم توجس النظام منه.


شخصيا، كل ما أطلبه لعيدنا هو أن يمر دون أن نفقد شبابا جددا إلى الشهادة أو السجن أو الاختفاء. أن نصل إلى ٢٦ يناير والنيل والشمس فى مكانهما. ثم سنستمر فى الغليان الخفيف على نار هادئة وسنرى ما سيكون عليه حالنا فى لحظة الفوران والانفجار الآتية.