نشر فى : الأحد 24 يناير 2016 - 11:50 م | آخر تحديث : الأحد 24 يناير 2016 - 11:50 م

اليوم نحتفل بالذكرى الخامسة لـ٢٥ يناير، الثورة الشعبية العظيمة التى تعثرت لكنها لم تنتكس، والدليل ان شعاراتها لم تسقط. كانت ثورة شعب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.


وكانت ايضا فى احد معانيها صراعا بين حماعة الإخوان ونظام حسنى مبارك. الشعب قال رأيه فى الاثنين.


ومثلما دمغ القضاء جماعة الإخوان بالعنف والإرهاب والإجرام، فإنه أصدر حكما باتا نهائيا بلا نقض قبل ايام بأن مبارك لص وحرامى سرق أموال الدولة فى قضية القصور الرئاسية.


لو أن هناك منطقا وعدلا، لتتم محاكمة مبارك على مئات الجرائم الحقيقية التى ارتكبها وليس على مجرد الحصول على فيللا بشرم الشيخ، أو تجهيز قصر خاص بأموال الشعب.


المحاكمة الحقيقية لمبارك لم تحدث بعد، وعندما يحين وقتها، ربما سنعرف حجم الجرائم التى ارتكبها أو تسبب فيها جهلا أو عمدا.


اليوم ونحن نحتفل بيناير احاول ان اتلمس ما سيقوله التاريخ عن مبارك من وجهة نظرى.


سيقول التاريخ إن مبارك كان طيارا كبيرا، وقاد سلاح الطيران المصرى فى حرب أكتوبر المجيدة وكان ضمن أسلحة أخرى متعددة سببا فى الانتصار العظيم الذى حدث فى أكتوبر ١٩٧٣ ضد العدو الإسرائيلى، ثم صار نائبا لرئيس الجمهورية فى عام ١٩٧٥.


سيقول التاريخ انه بدأ عهده بصورة طيبة، وأفرج عن آلاف المعتقلين الذين وضعهم السادات فى السجون، ثم انفتح على معظم التيارات، وحقق استقرارا مشهودا فى حقبة الثمانينيات تم تتويجها بإعادة طابا إلى السيادة المصرية بعد معركة قانونية مشرفة، واصلح من حال البنية التحتية إلى حد كبير.


سيذكر التاريخ أيضا أن مبارك ونظامه تصدى معظم حقبة التسعينيات لإرهاب الجماعات الظلامية والإرهابية، لكنه ارتمى فى حضن إسرائيل والولايات المتحدة وصندوق النقد الدولى.


لكن التاريخ سيقول إنه بحلول الألفية الجديدة بدأ مبارك يدمر كل ما بناه، لأسباب متعددة منها استمرار نظامه، ومحاولة توريث ابنه جمال، أو «شلة السوء» التى هيمنت على كامل المشهد منذ عام ٢٠٠٠ وحتى السقوط المريع فى ٢٥ يناير ٢٠١٤.


سيقول التاريخ إن مبارك كانت أمامه العديد من الفرص ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه خصوصا بعد الانتخابات البرلمانية فى ٢٠٠٥ لكنه اهدرها جميعا.


فى عهده انسحبت مصر من أداء كل أدوارها الرئيسية فى المنطقة والإقليم والعالم. وتضاءل تأثيرنا العربى لمصلحة الخليج، وانسحبنا من أفريقيا تماما حتى فوجئنا بإثيوبيا تعلن تحويل مياه النيل لإقامة سد النهضة فى ابريل ٢٠١١.


كنا نعتقد أن مبارك يحارب المتطرفين فعلا ،ثم فوجئنا عندما تنحى أو انخلع أنه كان بينهما ما يشبه زواج المتعة. حاصر مبارك كل القوى المدنية، لكنه ترك المتطرفين خصوصا الإخوان يترعرعون ويتعملقون، حتى فوجئنا بأنهم القوة الوحيدة المنظمة التى استولت على الحكم بالكامل بعد الثورة.


سيقول التاريخ إنه لولا حماقة نظام مبارك ما نما الإخوان والسلفيون بالصورة التى رأيناها عام ٢٠١٢. هذه هى الجريمة الكبرى التى ارتكبها مبارك، لكن الجريمة الأكبر أنه وطوال ثلاثين عاما، جرف جميع مناحى الحياة فى مصر. انهار التعليم وتردت الصحة إلى أسوأ حال، وهو الأمر الذى ندفع ثمنه الآن وسنظل ندفعه لأجيال.


يقول أنصاره إنه بنى بضعة كبارى إضافة إلى المحور والدائرى وبعض المشروعات الأخرى. نعم هو فعل ذلك، لكنه فى المقابل ترك لنا شعبا شبه أمى، وشبكة فساد لم نستطع أن نفككها حتى الآن.


أوهمنا مبارك أنه يقود حزبا يتألف من ٢.٨ مليون عضو، لكن عندما احترق مقر الحزب بعد ظهر ٢٨ يناير ٢٠١١ تبخر الحزب الوهمى، واكتشفنا أنه كان مجرد هيكل ورقى وتجمع للمنتفعين وشلل المصالح.


عندما سقط مبارك اكتشفنا أن دورنا العربى والأفريقى والإقليمى صار ضعيفا، تجرأت علينا إثيوبيا، وعاثت إسرائيل عربدة وبلطجة فى المنطقة، واستولت إيران عمليا على العراق، وصار اقتصادنا يعتمد على المعونات والمنح والقروض من أمريكا والغرب والخليج.


مبارك ليس شيطانا، وليس خائنا وفعل أشياء جيدة، لكنه بالتأكيد ليس ملاكا، ولو كان هناك عدل لتم محاكمة مبارك أمام محكمة ثورة أو فى ظل نظام عدالة انتقالية فعال يحاسبه على ما فعله فى حق مصر، وكيف قزمها إلى هذا المستوى الهزيل؟!.


الملايين التى نزلت الشوارع فى الفترة من ٢٥ حتى ١١ فبراير كانت تدلى بصوتها فى أفضل شكل ديمقراطى على رأيها فى مبارك ونظامه. صحيح أن الثورة سرقها الإخوان والمتطرفون لاحقا، لكن المؤكد أنها كانت تعبر عن غالبية الشعب المصرى فى حق هذا الشخص وحق نظامه بأكمله.