أوروبا ليست جنة دائمًا.

لقد تعاظم التواجد الإسلامي في القارة الأوروبية خلال العقدين الماضيين بصورة كبيرة جدا، أكثر من 53 مليون مسلم ينتشرون في جميع أنحاء القارة العجوز ما بين شرقها وغربها عدا تركيا. يمثل المسلمون نسبة تتجاوز 6% من إجمالي العدد الكلي للسكان الأوروبيين. في سياق متصل تتصدر كل من تركيا وأذربيجان وألبانيا وكوسوفو القائمة في عدد المسلمين بهم بنسبة تصل إلى 100%.

وبشكل عام فإن الأقليات المسلمة في أوروبا تتشكل من فئات أربع وهم:

  1. المسلمون من سكان البلاد الأصليين.
  2. الباحثون عن العمل.
  3. الدارسون
  4. اللاجئون السياسيون.

أما عن مجموعة المسلمين من سكان البلاد الأصليين الذين إما هم أحفاد لمن دخلوا الإسلام منذ عصور الفتح الإسلامي لأطراف أوروبا. أو الذين دخلوا الإسلام حديثًا بسبب مجهودات الوافدين من المسلمين إلى البلاد الأوروبية، وكذلك الدعاة الذين يقومون بالدعوة إلى الله في تلك البلاد، أو عن طريق المطبوعات التي تدعو للإسلام من كتب مترجمة. .. إلخ، وكل هؤلاء يعانون بشكل مباشر من طمس هويتهم وتذويب شخصيتهم في شخصية بلدهم غير المسلم من ناحية العادات والتقاليد، وأما عن الدارسين فهم ذهبوا إلى أوروبا بغرض تحصيل علم أكثر والحصول على شهادات ذات قيمة تساعدهم على العمل في أوروبا، وأما عن اللاجئين السياسين فقد لجأوا إلى أوروبا لخلافاتهم مع أنظمة دولهم سياسيًّا، وأما عن الباحثين عن عمل فلم يجدوا في وطنهم أرضًا خصبة لكسب العيش والقدرة على مجابهة الحياة.

التزايد الإسلامي في أوروبا

يتزايد الاهتمام الأوروبي بتلك الأجيال المسلمة الجديدة علمًا منهم أن تلك الأجيال هي من ستحدد المستقبل، ذلك التزايد المستمر يضعهم بصورة دائمة في مناخ من الحيرة والقلق الدائم خوفًا على ماهو قادم، ومع كثرة المشاكل الأخيرة والأحداث الإرهابيه الغاشمة التي لا نرضى عنها كمسلمين ولم يأمرنا ديننا الحنيف ولا نبينا الكريم بمثل هذه الأفعال القذره التي ينسبونها للمسلمين كافة دون تفرقة، يواجه المسلمون في أوروبا موجة من الكره والتضييق والعنصرية المبالغ فيها. نحن لم نكن يومًا مع إراقة الدم ولكن أليس الدم المراق في العالم العربى بصورة يومية يستدعي انتفاضتهم أيضًا، أم أن المواطن الأوروبي من طبقة أسمى؟! العشرات يقتلون يوميًّا ولا نلحظ تحريكا لجفن.

صعوبة التكيف

مع ذلك التزايد فإن معاناة المسلمين تكثر مع الأخذ في الاعتبار بتلك الأحداث التي تحدث بين الحين والآخر. حيث يواجه الناشئون المسلمون صعوبة الاندماج في تلك المجتمعات الأوروبية دون أن يمس ذلك صميم الدين، حيث يحتم ذلك الاندماج عليهم أن يتخلوا عن ثوابتهم ومعتقداتهم الدينية ليسمح لهم بنيل حقوقهم، كثيرا ما ينادي الغرب بالحرية ويتشدق بها.

مع ذلك التزايد فإننا قد سمعنا عما فعله حزب الجبهة الوطنية الفرنسي الذي لا يهدأ ولا يتردد في مهاجمة التزايد الإسلامي في فرنسا وكذلك فعل الأحزاب اليمينية المتطرفه في أوروبا. ومما يزيد قلقهم أيضًا ما يحدث فلا إسبانيا وإنجلترا وهولند وألمانيا من تعاظم عدد المسلمين بهم ومع هجرة الأوربيين لزيادة النسل فإن ذلك يدق ناقوس الخطر لهم. وبصورة أكيده فإن مستقبل تواجد الأوروبيين في أوروبا على علاقة وطيدة بذلك الشكل الذي سيكون عليه الجيل المقبل، واضعين في الاعتبار أن نسبة الأطفال تقل باستمرار مقابل نسبة طاعني السن والكهول.

ونتيجة لذلك تزايدت الدعوات التي تحجم من دور المسلمين والتي تسعى للتضييق عليهم وتهميشهم وقد انضمت لهذا الصوت ودعمته الكنيسة الكاثوليكية كما فعل الكاردينال الإيطالي جياكومو بيفي. . لكن من يدعون إلى الاندماج وينادون به كانوا الأكثر واقعية لفترة ما ونجحوا في نشر تلك الفكرة على المستوى الأوروبي وساعد في ذلك بزوغ نجم العديد من المشاهير الأوروبيين ذوي الأصول العربية والإسلامية أمثال النجم الجزائري الأصل زين الدين زيدان.

لا يعنى ذلك أن طريق المستقبل مفروش بالورود للمسلمين، حيث تظهر العديد من المشكلات وترمي بثقلها في الأفق. حيث تواجه تلك الأقليات المسلمه العديد من المشكل الضخمة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ومشكلة محو الهوية أو التصفية والمذابح كما حدث ذلك في البوسنة والهرسك وكوسوفا، مع مواجهة التمييز العنصري البغيض. وتأكيدًا على ذلك فقد أجرى أحد الباحثين الأوروبيين دراسة كان ملخصها أن المسلمين في أوروبا يواجهون عقبة خطيرة تعيق تقدمهم وهي التمييز العنصري مما يساهم في ارتفاع نسبة البطالة بين تلك الأقليات العرقية وبين تلك الأعمال القليلة التي يسمح لهم بشغلها. وأما الذين يتم السماح لهم بالعمل فلديهم مهن وأعمال ذات أجور ضئيلة ومرتبة اجتماعية أقل، وينتظرون مدة أطول من أجل الحصول على الترقية. ومن هذا يتضح لنا بشكل جلي أن نظرة الغرب للمسلمين لا تتعدى كونها نظرة دونية وغير مرغوب فيها في مجتمعاتهم.

في هذا النطاق قد عدد أحد المستشرقين الألمان أسباب تزايد موجة الكراهية للمسلمين الأوروبيين وكان من بينها هي كثرة المهاجرين المسلمين لأوروبا مما أدى إلى تصاعد موجة العداء تجاههم وخاصة الاعتداء على رموزهم ومعتقداتهم من حجاب ونقاب وغير ذلك من الرموز.

معاناة الأجيال الصاعدة

تعاني الأقليات المسلمة في أوروبا العديد من المشكلات، منها: ضعف الحالة الاقتصادية لدى أغلب أبناء الأقلية المسلمة وعدم وجود مؤسسات تعمل على خدمة أبناء الأقلية المسلمة. وضعف التصور الاعتقادى وقلة التفقه في الدين مما يضعهم في دوامات من التيه حتى أن منهم من قد يبيع دينه لنيل وظيفة أو مكانة. والتشويه المتعمد أو غير المتعمد الذي قد يحدث من أبناء جلدتهم من المنسوبين للإسلام على المستوى السياسي وممن لهم أيديولوجيات متطرفة والتي تعمل على زيادة البغضاء من ناحية المجتمعات الأوروبية للمسلمين والتي تؤدي بدورها إلى زيادة عزلتهم وتحجيم دورهم المستقبلي والحالي. وعدم وجود جماعات مسلمة متحدة تمثل ضغطًا على الأوروبيين حتى تستطيع الدفاع عن حقوقهم. وعدم وجود مرجعية إسلامية ثابتة يمكن للمسلمين الرجوع إليها في الأزمات فيضطرون إلى الاجتهادات.

كيفية تخطي تلك المشكلة

وللقضاء على تلك الفجوة ينبغي على الدول الأوروبية والأقلية المسلمة على حد سواء بمد جسر الهوة. وكذلك المجتمعات الأوروبية مطالبة باحتواء الأقليات المسلمة، وعدم النظر إليها بتلك النظرة العنصرية البغيضة ومن ثم احترام حقوقهم وعقيدتهم. فإن التمييز العنصري هو الدافع الأكبر وراء تلك العمليات الإرهابية المتطرفة، حيث من يشعر بالظلم والاضطهاد قد يكفر بأي شيء. وأخيرًا فإن ذلك التطرف لا يجب ربطه بالمسلمين ككل. فالإسلام منه براء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست