تروي لي جدتي حكايات عن مدرستها التي كانت تتوسط نخيل قريتنا التي تقع شمال أسوان فتنساب وتتدفق مع مجرى النيل ولكنها لا تنجرف معه.

كانت أسوار المدرسة لا تتجاوز السنتيمترات فكانوا لا يشعرون بوجود أسوار، لقد كان الأولاد يجلسون على السور مستقبلين نسمات الهواء التي تعصف بالنخيل الملاصق للجدران، وكان البلح يتساقط عليهم ويداعبهم عندما يسقط على رأس أحدهم فجأة .. وكانت المدرسة مبنية من الطين فتجعل الهواء رطبًا بداخلها.

تنهدت جدتي وكأنها تجر لي الزمن حتى أرى ما كان وقالت: “كنا نخرج من البيت ونروح المدرسة لكن لا نعرف أنها مدرسة وكنت بحسب أن ده بيت العيلة وبيعلمونا فيه”.

أول يوم لي في المدرسة كان أكثر الأيام التي تركت آثارها في ذاكرتي، فمع بداية اليوم وإقناع أمي لي بجمال المدرسة والأصدقاء والشنطة التي لم أستطع تمييز لونها بسبب تداخل الرسومات فيها.. وعندما اقتربنا من المدرسة أفزعني الباب الحديدي الأسود والأسوار العالية التي كانت تبقي عيني معلقة، والسلاسل الحديدية التي أصابها الصدأ والقفل الضخم الذي يتوسط الباب، فعندما اقتربنا من الدخول تراجعت ولم تكفِ صرخاتي وتعلقي بباب المدرسة محاولًا الإفلات من المُدرسين الذين نجحوا في إجباري على الدخول وكان وقع صوت غلق الباب كأنه يقول لي: لقد نلنا منك.

“استووا.. تراصوا واعتدلوا.. سدوا الخلل”
– لماذا نستوي ونتراص ونعتدل؟
لكي يستوي الصف
– وما معنى الاستواء؟
أن تتوجه إلى القبلة.
– كلنا نعلم أننا يجب أن نتوجه إلى القبلة.. لماذا لم يتوجه كلٌّ منا إلى القبلة وحيدًا ونباعد المسافات بيننا؟
ذلك ما أمره به الله فلا تجادل وركز في الصلاة وكفاك سهوًا.

قامت معركة بين عائلتين واشتد العراك ولم يقدر أحد أن يوقفهم. صعد إمام مسجد قريتنا على المنبر وظل يردد “استغفروا الله استووا.. اعتدلوا. سدوا الفرج..لا تختلفوا فتختلف قلوبكم.. لاتجعلوا بينكم فرج خشية مرور الشيطان”.

بدأ العراك يهدأ ولجأ كلًا منهم إلى داره وعلى وجوههم حسرة وندم.
قلت له: كيف ذلك يا شيخ؟ كيف هدأوا بهذه الكلمات؟ وهذه الكلمات لاستقامة الصفوف للصلاة فقط؟!
قال: الاستواء ليس استواء الاتجاه وملء الفراغات المرئية فقط! يستوي الصف هو شعورك بأن الواقف بجانبك أخيك الذي له حق عليك، الاستواء بملء الفراغات الشعورية وإننا بنيان مرصوص نشد بعضنا بعضًا. وهو تجديد دائم لمعنى الإخاء الذي ليس له علاقة بالعرق والدم بل إنها علاقة بالدين الذي أوصانا بالتراحم والإخاء وبناء مجتمع يتلاحم فيه البشر فيجب أن يحترموا العلاقة.
“استووا.. تراصوا.. سدوا الخلل”

تلك المساحات التي تسكننا قبل أن نسكنها، تلك المساحات التي تتفاعل معنا وتترك آثرها في نفوسنا. فالمساحات هي التي تخلق إمكانية بناء علاقات مع النَفس، المكان، الدين.. فقريتنا قديمًا كانت المساحة التي خلقت لنا علاقات تتجاوز الدم والعرق، وتجعلنا نتحرك ككتلة مجتمعية وذلك كان يتجلى في شكل العمران بما يحمله من تراث ويحافظ على العلاقات.

مساحات الدين هي المساحة التي تشملنا وتحيط بنا، والعلاقات فيها ليس رأسية هرمية بل أفقية دائرية نترقى في مستوياتها كلما اقتربت نفوسنا من الوحي، فالعلاقة محكومة بمدى قربنا أو ابتعادنا عن الوحي.

“المدن تشبه البشر فإنها تمر بمرحلتي الطفولة، والمراهقة ثم تشيخ وفي النهاية تموت، لا يوجد جمال يدوم إلى الأبد، المدن تنتصب فوق أعمدة روحية كالمرايا العملاقة وهي تعكس قلوب سكانها، فإن أظلمت هذه القلوب وفقدت إيمانها، فإنها ستفقد بريقها وبهاءها”.
-شمس التريزي
“الجاهل بالمكان أعمى، لا أقصد بالمكان خريطة الشارع ولا أين يبدأ وأين ينتهي، بل المكان الذي يخصنا وتسكن فيه حكايتنا وذاكرة حواسنا الخمس فيه”
-رضوى عاشور

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست