“لم يبق في البدر مع الحكمة العليا شيء يسمى “الجمال”، ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء أجمل من القمر؛ فهي مثله ليس فيها مع تلك الحكمة شيء اسمه الجمال؛ أفيمكن أن يكون مع الحكمة نفسها في وجه القبيحة شيء يسمى “القبح”؟
القمر طالع مشرق كما كان

والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة

والدميمة طاهرة كما هي

لم ينقص الكون من ثلاثتها شيء

ولكن أين أعين الرجل الكامل؟

مصطفى صادق الرافعي”

هناك أزمة واضحة في طريقة اختيار الزوجة والزوج عند المثقف، وهذه الأزمة أنتجت معاناة فرعية للمثقف الإسلامي أودت بتعطيل كثير من الجهود الإصلاحية والثورية في العمل العام، بسبب مشاريع الزواج الفاشلة، ولأن المثقف هو لبنة أساسية من لبنات التغيير، لزم علينا أن نناقش هذه الأزمة ونقترح، لعلنا نجد بعض الحل.

والمثقف في لغة العرب هو الحاذق وسريع الفهم وصاحب الفطنة والذكاء وسريع التعلم، وينضم تحت هذا المسمى كل طالب علم، معرفي، أو صاحب فكر وفلسفة.

متى تبدأ الإشكالية؟

تبدأ الإشكالية باستيطان الحياة المعرفية في ظلال الكُتب، والبعد عن واقع الحياة، وهذه الحالة تخلق واقعًا افتراضيًا معرفيًا في عقل المثقف، يعيش فيه حالة من السمو المشاعرية والبعد عن الواقع، وتزداد الحالة بتكثيف القراءة في وقت قصير وتوسعها إلى المجالات السياسية والفلسفية والأدبية والفكرية، حتى تسبق المعرفة الواقع وتسابقها بمفاوز شديدة، فيؤسر في عالم المعرفة الفاضل، أو ينعزل فيه، وتظهر الإشكالية بأثرها وقت التقدم للخطبة أو وقت استقبال الخطّاب، لتبدأ حالات الرفض المتوالية من كلا الطرفين المثقف والمثقفة حتى تصل المثقفة إلى الثلاثين من عُمرها وهي تنتظر الفارس المناسب.

وأعتقد أن الأزمة تتلخص  في عدة نقاط:

(1)  القياس الخاطئ

يصل المثقف إلى درجة عالية من القراءة والمعرفة لا يصل إليها معظم من حوله، فيعيش في حالة نفسية شبه مثالية، تجعله يخضع لما قرأهُ، وعلى هذا يبدأ بقياس من حوله على معيار ثقافته، ويُقيَّم الناس من معيارهِ الناقص، وهذه الحالة النفسية تفرض عليه معارك تصادم بين العالم المعرفي والعالم الحقيقي في كل حدث.

(2) التركيبة المثالية

عقل المثقف المعرفي قادر على تربيط الأشياء وتركيبها بعضها بعضًا بشكل معقد وكبير، فهو يأخذ من كل شخص ميزة على حدة ويركبها تركيبًا معقدًا لا تستوي عليه الدنيا، فيرى الكاتبة الفيلسوفة فيتمنى أن تكون زوجته مثلها في طريقة الكتابة والفلسفة ويضع في عقله تركيبًا فلسفيًا لصفات زوجتهِ، وينسى حياة الكاتبة الفيلسوفة الأخرى، وكذلك يرى الأديبة الشاعرة فيتمنى ما فيها من لباقة شعر ونثر فيربط التركيبة الشعرية بالتركيبة الفلسفية ثم يرى الفنانة الموهوبة فيخلق تركيبة فنية مع التراكيب الأخرى ويرى الحيية المتدينة فيأخذ منها الخلق والتدين ثم يرى الجميلة التي تسلبه بجمالها، وتبدأ عملية تركيب معقدة أشبه بعملية تخليق حمض نووي جديد لاستحداث  شخصية مثالية هجينة ليس لها وجود في عالم اليقظة، وعلى ذلك تُكوَّن المثقفة فارس الأحلام، ولهذا  يتأخر سن زواجها حتى تجد المناسب المرُكب، وإن كان في بعض انتظارهم للمناسب منطق، إلا أنه غالبًا غير عادل وغير منطقي.

(3) تكوين واقع مثالي للزواج من شخصية الفيس بوك

لا يمكن الجزم بمثالية وكمالية من يكتبون على صفحاتهم في الفيس بوك، لأن هذا الموقع  غالبًا موقع يسوده التنزه والتكلف، وكثيرًا من الوهم، ومعظم الكتابات  تخفي وراءها شخصيات غامضة لا نقدر أن  نحكم عليهم  حكمًا كاملاً، ولا نقدر أن نجزم بصفات شخصية معينة من خلال بعض المنشورات أو بعض التفاعلات مع أصدقائهم، ولا يمكن الجزم بمثالية صاحب هذا الحساب الشهير أو صاحبة تلك الصورة الشهيرة من خلال أداة إلكترونية ناقصة،  فالحياة الزوجية ليست كتابة عميقة على صفحات الفيس بوك، ولو كانت مُشكّلة ومُنقّحة ومُصرَّفة على قوالب الجوهري وابن حيان والجاحظ.

(4)  حالة شاذة من الود

نتيجة تأكد بعض المثقفين والمثقفات بأن البيئة المحيطة حولهم، لا توفر لهم الشخصية المثالية المركبة،  يبدأ المثقف بخوّض تجربة جريئة للبحث عن الشخصية المناسبة، يذهب فيها إلى التجمعات المُختلطة كالمنظمات الإغاثية والاجتماعية الخدمية والفكرية والمعرفية  ليُزامل الجنس الآخر في حالة أكثر انفتاحًا، بداعي البحث، وفي حالة المثقف الإسلامي يبدأ بالولوج إلى تجمعات الفرق المعرفية، ونماذج المحاكاة الطلابية الإسلامية،  ليحدث له سلام  داخلي مع نفسه بسبب وجود الشخصيات المركبة كل على حدة، مع الشاعرة والأديبة والمعرفية، والفكرية، والفيلسوفة، والحركية،  والجميلة، واللبق، والشيخ،  والوسيم،  والمُهذب والرجل والإنسان … إلخ، فتتكون حالة من عدم الرضى نتيجة عدم كمال أي واحد فيهم، وعلى ذلك تظهر في بعض الأحيان حالة شاذة من الود الدعوي، وهي الحالة التي يستقر فيها مع الجنس الآخر دون أي ارتباط شرعي، وهذه الحالة تجعله يرفض كل عروسة، وتجعلها ترفض كل عريس، حتى يعزفوا عن الأمر أو ينكسر نموذج المثالية الخاص بهم.

(ب) ربما لم ألم بجوانب أخرى كثيرة، ولكنني حاولت أن أبرز ما ظهر لي من بعض العطب، ولم أتناول فيها عدم خضوع المثقف لعمليات القسمة والنصيب، والرؤيا الشرعية، لأن له فيها بعض المنطق أو كثير من المنطق فتجنبت الحديث عن المناطق المتفق عليها وآثرت المعقدة منها، ولكن لابد من محاولة لفك هذا التعقيد، ولعل أهم الاقتراحات المعروضة:

(1) لا يجتمع جمال مع ثقافة

عليهم أن يدركوا ذلك، أو قريب من ذلك، وإن كنت أظن أن هذا القول أقرب الأقوال لقول الفلاسفة، فإنهم يعدون جمال الأنثى مقياسًا على قلة عقلها وسطحيتها للأمور، ويعدون مقياس تفوقها الفلسفي والفكري والشعوري ومقدرتها على اتخاذ القرارات انعكاسًا على مدى قلة جمالها الأنثوي أو مدى دمامتها حتى وضعوا مقياسًا عكسيًا تتناسب فيه المرأة المثقفة مع الجمال، ولو اعتدلنا في التوصيف لقلنا لا يجتمع جمال طاغ بثقافة موسوعية مثلاً إلا في حالات استثنائية تثبت القاعدة، ولو ارتضى المثقف بهذه القاعدة لَما دخل  متواليات المعاناة والتصادم الدائري.

(2) تقليص الصفات المثالية إلى النصف

المحيط حولنا يرفع الطموح إلى أعلاه، فهو يريدها شخصية متكاملة مركبة وأهلها مثلها، لكن هذا ضد ناموس الحياة، فالكمال في الدنيا مُحال، ولو نزل من خياله إلى النصف وأمكن التضحية ببعض الصفات الهامة التي تكتسب كالفكر والفلسفة من أجل صفات أهم لا تكتسب كطابع الخلق أو الجمال، ستنفك عقدة من عقد الإشكالية.

(3) مشابهة التكميل

الباحث عن صفات الثقافة والجمال والدين والخلق، لو تمعن في الأمر وبحث عن معنى التشابه المُكمل لانفكت عقدة أخرى، فإذا كان يريدها أن تساعده في المجهود العلمي فعليه أن يتنازل عن صفات الجمال، ولو كان مثقفًا يميل إلى العاطفة فعليه أن يُضحي بصفات العلم والثقافة نسبيًا، ويتجه إلى الشاعرة الجميلة، ولو كان يميل إلى العقلانية الفكرية فعليه أن يتنازل عن بقية الأقطاب مقابل البحث عن مفكرة بغض النظر عن جمالها وقبحها، وإذا كان يميل إلى كل الأشياء كالعلم والعاطفة والفلسفة والفكر فليبحث عن الاحتواء، وإذا وجد طبيبة نفسية فليتمسك بها فإنها أكثر الناس احتواءً.

(4)  تكامل لا تشابه

وهي قاعدة مهمة في الحل، وربما هي حل جذري للعقدة، فعلى المثقف أن يبحث عن حاجته الحقيقية وليست حاجته الإشباعية، ربما بحثه عن الكمال أو عن هذه الصفات لنقصٍ يعانيه في أشياء كثيرة في حياتهِ كفراغ عاطفي، وهذا الأمر يجب أن يخضع فيه المثقف لعملية فحص دقيقة لنفسه، لأنه قد يتبين له أنه لا يحتاج إلى وجود زوجة مثقفة في حياته بل يحتاج إلى العاطفة والحنان أو هي لا تحتاج إلا لرجلٍ يظلها بأمنه وحنانهِ واستبداده الذي فيه حرية لها.

(5)  الاحتواء

والاحتواء هو عملية استيعاب لكافة صفات الشخصية أو لبعضها، ففي حالة المرأة يحتوي الرجل الشراسة الفكرية والسرعة المعرفية بالاستماع، والنقد المستمر بالاقتراح، والندية بالرجولة، أما المرأة فتحتوي الرجل بحبها وحنانها وحيائها. وعلى هذا فالاحتواء هو مقدار امتلاء الإنسان بمفهوم الإنسان.

(6) الرضا

لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب.

وعلى ذلك؛ رفعت المشكلة وبينت فيها بعض الاقتراح، عسى أن يكون حلاً.

لعلني قسوت على المثقف وقللت طموحه إلى درجة لا يقبلها، لكن في هذه القسوة محاولة لتقليل بعض الخسائر النفسية التي ستحدث إذا ظل على طموحه ومدى خسارة الأمة لجهد مثل جهدهِ وجهدها إذا ظلوا في بحث عن مناسب، فقد سمعنا في منطق الانتظار أن هناك شاب مكث يبحث عن مناسبة حتى صار في الأربعين من عمره ينتظرها حتى وجدها وذهب ليتقدم إليها فرفضته لأنها ما زلت تنتظر شخصًا مناسبًا.

وفي النهاية ليس في الانتظار إثم أو كراهة وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست