يقال العمل السيء ينتج عنه وصمة عار اجتماعية (الصورة الذهنية المدركة)، ولا ينطبق هذا القول على المنظمات فقط، كما هو الحال لدى شركات تصنيع السجائر، أو غيرها مما تنتج منتجات تضر بالإنسان أو البيئة، بل يتعداه الأمر إلى الأفراد أو الأحزاب السياسية أو أي تجمع بشري حتى وإن كان دولة أو شعبًا ما. فلكل مما سبق صورة موجودة في ذهن الآخرين عنه، تدعى بالصورة الذهنية وهي أهم المصطلحات الحديثة في علم التسويق بشكل أساسي، والكثير من العلوم الأخرى كعلم السياسة والإجتماع، والإعلام وغيرها.

تعتمد منظمات الأعمال على صورتها الذهنية في تسويق منتجاتها بشكل كبير، ويعرّف علي عجوة الصورة الذهنية image بأنها: «الصورة الفعلية التي تتكون في أذهان الناس عن المنشآت والمؤسسات المختلفة، وقد تتكون هذه الصورة من التجربة المباشرة أو غير المباشرة، وقد تكون عقلانية أو غير رشيدة، وقد تعتمد على الأدلة والوثائق أو الإشاعات والأقوال غير الموثقة، ولكنها في النهاية تمثل واقعًا صادقًا بالنسبة لمن يحملونها في رؤوسهم». فعلى سبيل المثال، نحن نشتري سلعة أو خدمة معينة تأثرًا بالصورة الذهنية الإيجابية أو القوية في أذهاننا عن المنظمة المنتجة لها، حتى وإن كان هذا المنتج سيئًا أو ليس بالجودة المرغوبة أو المتوقعة. لذلك نرى غالبية المنظمات تسعى جاهدة لتحسين صورتها أمام جمورها، ومنع أي شيء من شأنه تشويه هذه الصورة. ويمكننا سحب التعريف السابق للصورة الذهنية ليشمل حتى الأفراد كأصغر وحدة اجتماعية.

ولكن لماذا يراد تشويه الصورة الذهنية لفئة معينة من الناس – أقصد هنا الشعب السوري – دون غيرها، علمًا بأنه من الشعوب المعروفة تاريخيًا بأنها ليست شعوبًا ذات ميول متطرفة تطرفًا دينيًا، أليس معروفًا أن الشام وفقهها أكثر ليونة وأقل راديكالية من غيره، كفقه الجزيرة العربية أو مصر؟

ثلاثة أحداث دفعتني لكتابة هذه الأسطر، أولها ما حدث في باريس من تفجيرات قبل مايقرب من شهرين، والثاني ما حدث في كولن الألمانية في احتفالات رأس السنة من اعتداءات وتحرشات جنسية، والثالث ما حدث في ساحة منطقة السلطان أحمد السياحية في إسطنبول التركية، عندما أقدم شاب منذ أيام على تفجير نفسه بين مجموعة من السياح الألمان.

أود هنا أن أطرح بعض التساؤلات: ما هو الرابط بين كل الأحداث السابقة؟ ولماذا كانت أصابع الاتهام تتجه في كل مرة نحو الجنسية السورية، وبسرعة قبل التأكد تمامًا من هوية الفاعل الحقيقية، حتى وإن كان المنفذ في إسطنبول ثبت بأنه يحمل الجنسية السورية؟ لماذا تم التغاضي جزئيًا عن الجهة التنظيمية أو المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها من قاموا بتفجيرات باريس، ومن قام بتفجير إسطنبول، وتم التركيز بشكل أكبر على جنسية أو انتماء الفاعلين بالمعنى القانوني أكثر من الفكري؟

فمن قاموا بتفجيرات إسطنبول وباريس أبناء مدرسة فكرية أو تنظيم واحد يضم العشرات من الجنسيات المختلفة، وإن كان تمركزه على أراض سورية وعراقية بشكل رئيسي. ولا يعترف بسوريا بأكملها ككيان سياسي موحد، بدليل أنه قام بإزالة الحدود التي تفصل بينها وبين العراق. كما أن أغلب المنفذين من الشباب في العشرينيات من العمر، يسيرهم ويوجههم انتماؤهم الفكري المتكون والمتأثر بشكل كبير بما تشهده الساحة السورية من استباحة فكرية وسياسية وعسكرية … إلخ، وليس الانتماء القانوي المتمثل بالهوية أو جواز السفر.

ألا يعتبر هذا الأمر نوعًا من محاولة تشويه الصورة الذهنية لشعب بأكمله، هو الشعب السوري؟ ويوحي إلى وجود طرف ما، يدفع لخلق ما يمكن تسميته بالسوريافوبيا على غرار الإسلاموفوبيا، التي عملت وسائل الإعلام الغربية على ترسيخها طوال عقود في ذهنية شعوبها، كصورة ذهنية مشوهة عن المسلمين.

كما أن الممعن في أماكن حدوث الأفعال الثلاثة السابقة، يمكن له استنتاج أن الدول الثلاث المستهدفة (فرنسا، ألمانيا، تركيا)، هي من أكثر الدول تعاطفًا ودعمًا للشعب السوري على المستوى السياسي والاقتصادي والإنساني وحتى العسكري، فلماذا يراد الإيحاء لهذه الدول ولغيرها من خلال هكذا تصرفات، بأن الشعب السوري لا يؤتمن جانبه، أو كما يقال بالعامية يعضّ اليد التي مدت إليه؟ لا أعرف بالتحديد من يحاول شيطنة أو تقديم هذه الصورة المشوهة عن الشعب السوري خارجيًا، ولكن بعلم الجريمة يقال دائمًا ابحث عن المستفيد من الجريمة عند وقوعها، وبهذا المنطق فأكثر المتضررين من هكذا تصرفات هم الشعب السوري، فالأمر يمكن عدّه محاولة أو امتداد للشيطنة الداخلية التي تم العمل عليها منذ ربيع العام 2011، أي منذ انطلاق الثورة السورية.

بكل تأكيد يتحمل السوريون بعض المسؤولية تجاه ما بدأ العالم يشكله عنهم من صورة ذهنية سلبية، ولكن أليس العالم هو نفسه من سمح بأن تصل الأمور في سوريا إلى ما وصلت إليه، وشكّل السوريون صورة ذهنية مشوهة أكثر عنه، قياسًا بصورتهم لديه. كما أن الشعب السوري لا يخلو كغيره من الشعوب من بعض العناصر السيئة التي تحركها الأيادي هنا وهناك، نحو القيام بتصرفات تضر بالصورة الذهنية للإنسان السوري عامة، وأغلب من يُستهدف من أجل هكذا تصرفات هم الشباب الغائب عنه التوجيه والإرشاد الصحيح، ونشوئه منذ خمس سنوات في بيئة تتقاذفها مختلف الأمواج الفكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست