فوق هدوء خطوطه البيضاء تتمركز عيناي، هناك في شارع رشيد الواقع على ساحل غزة أسير مثقل الفكر والخطى، تلاطمني أمواج فكري في سبيل الخروج من هذا الوطن الذي لم نحظَ منه إلا اسمه، تسع سنواتٍ من التضييق والحصار الخانق، مزقت خلايا الحنين في أوردتي، ثلاثةُ حروب طمست على قلبي كل معاني الحياة فما بت أدرك إلا لحظة الموتِ المشتهاة، انقسام شتت مفهوم الحبِ الذي أرضعتنيه أمي في صغري، أثار رذاذ الموج فيّ الرغبة في سلك أي طريق يؤدي بي خارج السجن هذا مرددًا “ربِ أخرجني من هذه القريةِ الظالم أهلها” سجن يقبض أكثر من مليوني روح مضطهدة، مسلوبة في كفه.

أأتجه للدراسة بالخارج ثم أعود أم أركب عباب البحر هاربًا، أم أفتعل مشكلة أمنية في بلدي، ثم أطالب باللجوء إلى أي بلد أجنبي. البيت، لا أخطو أولى عتباته إلا مشغول البال ممتعضًا كطفل يشرب دواءه رغمًا عنه، لا أرد السلام ولا أتناول الطعام، أتجه مباشرة إلى حجرتِي حيث عالمنا الافتراضي الذي أصبح متنفسي الوحيد، حقيقتِي الوحيدة!

هنا حيث مواقع التواصل الاجتماعي أفرغ شحنة سلبية علها تخفف وطأة النار المشتعلة في فؤادي وأكتب “خذوا كل ما أملك بس طلعوني من غزة” تنهالُ التعليقات عليّ بين سبٍ وقذفٍ وكيل من الاتهامات المغرضة، وبعض الدعم الخجول لفكرتي وآخرين حاولوا أن يذكروني بأهمية الأرض، وأن عليها ما يستحق الحياة، ثم لأجر الرباط فيها.

أتابع كل شيء بصمت بابتسامةٍ شاحبة وكثير من الحنق، أفكر في أن أطفئ شمع هذا الأزرق أيضًا، لأفاجأ برسالة تصلني من صديق قديم يعيش في السويد منذ ما يقارب الأربعة عشر عامًا، فلسطيني من معسكر دير البلح للاجئين، قادته الظروف للاستقرار خارج الوطن وبعد حديث طويل عرض عليّ المساعدة في الخروج من قطاع غزة فهو آخذ على عاتقه مساعدة من يستطيع ليخرجهم من الظلمات إلى النور!

طرب قلبي لمساعيه، وأكدت له أني سأبذل قصارى جهدي لتنفيذ ما يطلبه مني، فلقد تهيأ لي أن حلمي بات قاب قوسين أو أدنى، نسيت أهلي وأبنائي وزوجتي تلك الفترة، ومضيت قدمًا في تحقيق كل ما يساعدني على الخروج، على الرغم من محاولات زوجتي بإقناعي عن عدول فكرتي المجنونة هذه، وصمت أمي الثقيل كعادتها في كل حادثة لا تعجبها أو أي سلوك يبدر مني، واستمرار والدي بتهديدي وترغيبي عله يثنيني عن حالة التخبط التي منيت بها، التحقت بمركز لتقوية لغتي الإنجليزية، واقتصدت بالصرف على نفسي، وعائلتي، لجمع مبلغ يساعدني بالخروج رافعًا شعارًا ظللت أردده كلما التقت عيني بأي عينٍ عاتبة “كله منشان مصلحتكم سنة أو أكثر وبسحبكم وخلوا الوطن للوطنيين”.

انقطعتُ عن أقراني أعيش في بنات أفكاري وأحلامي أكثر من الواقع. كان أمري يقتضي على أن أخرج إلى الأردن، ومن هناك أحصل على فيزا زيارة للسويد، وعند الوصول أمكثُ فترة الزيارة ثم أبقى بشكل غير قانوني حتى يدبر لي صديقي عمل، وأتقدم بدوري بعدها بطلب لجوء بشكل رسمي عن طريق مؤسسات تعنى بهذا الأمر، قد تطول أو تقصر المدة، وذلك تبعًا لجهد المؤسسة وحسن السير والسلوك لي في ذاك البلد.

نعم خططتُ لكل شيء ورسمتُ معالم مجدافِي الوحيد في خضمِ هذا القهر. إغلاق المعبر الدائم ولمدة طويلة وقف عثرة أمام مستقبلي المتخيل فكانت البوصلة إلى معبر إيرز، ولكني أحتاج لتنسيق وعدم ممانعة من الإدارة المدنية في غزة والتي تتصل بشكل مباشر بالضفة (منقسمون حتى في الأوراق الرسمية).

كذلك أيضًا، حصولي على عدم ممانعة لدخول الأراضي الأردنية ليس بالسهل لكن بعد معركة طويلة من الاتصالات والوساطات ودفع الكثير من النقود، تحصلت على تلك الورقة وتحدد موعد السفر.

ودّعت أهلي على عجل متحاشيًا الحديث المباشر مع زوجتي ووالدي، وأكدت أنني في أقرب فرصة سأرسل لهم لنعيش الحرية خارج عتبات الوطن، متجهًا إلى إيرز أتوقف على نقطة تفتيش 4/4 التابعة لحماس، فحص أمني سريع لا إسباقيات، ولا أي مشاكل، تمنيات مع السلامة للوصول إلى نقطة 5/5 التابعة للسلطة الفلسطينية! قبيل بوابة معبر إيرز، فحص على كامل الأوراق ثم التوجه إلى الجانب الإسرائيلي، فيه يتم التفتيش الدقيق لي ولكل ما أحمل، أقدم الأوراق الرسمية كاملة، يطلب مني الانتظار في الصالة ريثما تتم كافة الإجراءات، إنهم يقصدونك بذلك، بعض المماطلة كونك فلسطينيًا، مخاطبًا نفسي مهدئًا لها:

الأوراق رسمية، لست منتميًا لحزب سياسي أو عسكري ستتيسر الأمور على أكملها، أرسم على محيياي حالة تشي بشيء من الرضا لكنها تختفي سريعًا، بعدما طلب مني أحد الجنود بالتوجه إلى غرفة المخابرات وهو أمر روتيني في بعض الأحيان. إلا أنني أمام كل لحظة شبه مدهوش، أريد بكامل طاقتي أن يتم الأمر دون أي ثغرات.

يتحدث رجل المخابرات الإسرائيلي بالعربية طلاقة أثارت في نفسي شيئًا من العجب! حاولت قدر المستطاع أن أسيطر على انفعالاتي، أجيب على قدر السؤال دون زيادة. وأتمتم في سري الكثير!

خمسة عشر دقيقة من التوتر قد شحذتُ كل طاقتي فيها، انتهت بقول الضابط لي: ع فكرة راح تنبسط أكيد بالسويد وهي عموما أحلى من غزة.

سلمني الأوراق مبتسمًا متمنيًا لي رحلة سعيدة، خرجت من الغرفة مشدوه البال مصدومًا، مشتتًا، تملكتني آلاف الأسئلة. كيف عرفوا؟  ولماذا؟ هل أنا مراقب؟ هل ستكون رحلتي محفوفة المخاطر؟ هل صديقي صديقي؟

يا الله علامَ ما أنا مقبل! كان بيني وبين الحرية كما كنتُ أصور لنفسي عبور البوابة ثم جسر الكرامة ثم الأردن، وصار بيني وبين الحرية جسر كرامةٍ فقط!

موجة من الحنين اجتاحتني، لغزة، لأهلي للشهداء، للأسرى، لكل من دافع عن هذه الأرض ليثبت جذورنا، عن تاريخ الصراع بيننا وبينهم، هل أتركُ كل هذا من أجل مصلحتي الشخصية؟ من أجل مستقبل أكثر راحة؟ كلا بل من أجل أن تطمئن ابتسامته الخبيثة!

ماذا لو فكر الكل مثلي ماذا لو أتيح لنا كلنا السفر من سيبقى لهذه للأرص. ارتفع رنين هاتفي بنغمة ليصفعني كما لم يفعل أحد “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

أمزق أوراقي كنثار خلفي، وأعود أدراجي، فأنا خلقت لأثبت جذوري في هذه الأرض، لا لأن أتنصل هاربًا منها .. نعم فعليها ما يستحق الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست