“أنا لست بطلا لأنني ببساطة نادم على تضحيتي.. والأبطال لا يندمون على تضحياتهم”.

(1)

رائحة الحجرة تُسرب أن ثمة جزء من الجسد عطب، والصديد يتمدد بالساقين، مخلفا فجوات داكنة تُعري اللحم المتآكل، قال وهو يشير إلى فاجعة ساقيه التي تتآكل مع وطنه: “بصي عاملة إزاي، مش بتبصي ليه؟، إنتي قرفانة؟”.

حقيقة، لم أكن أدري، هل أنا “قرفانة” من الوطن أم من ساقيه؟.

وهو يحيى أحمد ماهر، رجل أربعيني، كان سائق ميكروباص قبل أن تخترق ظهره رصاصة أثناء سيره بقرب مظاهرة في منطقة حلوان قاصدا بيت خاله عصر 29 يناير 2011.

وبقيت الرصاصة بظهره فتدهورت حالته لتصاب ساقيه بجلطة، وانتهى الطبيب لقرار بتر الساقين المعطوبتين، لكن إدارة المستشفى الحكومي رفضت إجراء العملية لعدم توافر أسرة؛  ليعود يحيى إلى حجرته الضيقة محملا برصاصة في ظهره وتعفن بساقيه وجرحا في حب وطنه.

“لا ينام، والجيران يستيقظون ليلا بسبب صراخه من الألم” قالت الزوجة الثلاثينية، ثم أردفت بلهجة تقريرية “دكتور في مستشفى خاص كان عايزني قصاد أنه يعالج جوزي”.

ثم باعا أثاث الحجرتين اللتين تؤويهما مع أبنائهما الثلاثة بإحدى الحارات الضيقة بمنطقة العمرانية، شيء واحد أصر يحيى على عدم بيعه، التلفاز.

كان ذلك بعد الثورة بثلاثة أشهر في مايو 2011، حيث السلطة والشعب مشغولين بأمور أهم من ساقي سائق الميكروباص.

هل بترت ساقيه؟ هل تمدد الصديد لباقي جسده؟ هل سايرت الزوجة الطبيب؟.. لا أعرف؛ فهاتف الزوجة بقي خارج نطاق الخدمة أو الوطن، واقتصر رباطي بتلك الأسرة على سردها في 400 كلمة نشرت بالصفحة الأخيرة في الجريدة التي كنت أعمل بها وقتها.

(2)

«25 يناير نكسة قامت لهدم الوطن وخالد سعيد بتاع بانجو وأخوه تحول من الإسلام للمسيحية».

توفيق عكاشة-عضو مجلس النواب وحصل على أعلى نسبة تصويت في مصر خلال الانتخابات البرلمانية 2015 – نوفمبر 2015.

(3)

في زاوية شاحبة بالمقهى المتواضع البنيان والمشروبات، يجلس “مبحلقا” بعين واحدة في التلفاز القديم الذي يتوسط الجدار المقابل لباب المقهى. قال :”لم أتقدم بأوراق إثبات إصابتي للحكومة، لا أريد منهم شيئا”، لم يقبل مصطفى عطية تعويضا عن عينه اليمنى التي فُقأت برصاص الشرطة أمام مبنى وزارة الداخلية ليل 28 يناير 2011.

“الجميع يستغرب موقفي، هو موقف ليس بطوليا وليس شريفا، كل الحكاية أني قرفت”، ثم: “أنا لست بطلا لأنني ببساطة نادم على تضحيتي، والأبطال لا يندمون على تضحياتهم”.

مع عمق كلماته، بدا لي أنه خارج لتوه من أشعار أمل دنقل، أو أنه يعيد حوارا من فيلم ثوري لم أشاهده.

هل الوطن العبثي يبعث فينا كل هذا العمق؟ أم أننا غارقون في العبث حد العمق؟!

ومصطفى “قرف” من وطنه مبكرا جدا عني وعن آخرين، منذ اقتحام الجيش لميدان التحرير في 9 مارس 2011 حيث كان معتصما-بعين مضمدة- مع عشرات اكتشفوا أن النظام لم يرحل بتنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك ليل 11 فبراير 2011.

يوم قابلته قبل عامين رفض أن أكتب عنه لأنه –كما قال- لا يستحق، لكنه نجح قبل أربعة أشهر في السفر إلى أستراليا لاستكمال دراسة الهندسة، وهو يستحق أن يُكتب عنه.

(4)

“في مصر اليوم أي شخص يتحدى الرواية التي تروج لها السلطات رسميا أو ينتقد الحكومة أو يكشف انتهاكات حقوق الإنسان، معرض للسجن وغالبا ما يحتجز لأجل غير مسمى دون اتهام أو محاكمة أو يتم إحالته للقضاء بتهم ملفقة”. منظمة العفو الدولية مايو 2015.

وتدلل منظمة هيومن رايتس ووتش على حديث أمنيستي في تقريرها ليونيه 2015 :”احتجزت السلطات ما لا يقل عن 41 ألف شخص بين يوليو/تموز 2013 ومايو/أيار 2014 .وقد وثقت المنظمات الحقوقية المصرية ما لا يقل عن 124 حالة وفاة أثناء الاحتجاز نتيجة للإهمال الطبي أو التعذيب أو إساءة المعاملة. وأصدر القضاة ما لا يقل عن 547 حكماً بالإعدام وعددا أكبر من أحكام السجن المؤبد كعقوبة على العنف أو النشاط السياسي”.

(5)

حكت لي صديقة ذات مرة أن رجل تزوج حبيبته بعد قصة عشق ملهمة وبعد فترة اكتشف أنه عقيم، لم تتحمل الزوجة نظرة انكسار زوجها فأجرت عملية استئصال لرحمها حتى لا تشعره بنقصان، ثم بعد فترة اكتشفت الزوجة أن حبيبها وزوجها تزوج امرأة أخرى.
لا أعلم لماذا تمر علىّ تلك القصة كلما مررت بأحد مصابي الثورة.

(6)

6312 مصابا خلال أحداث الثورة.

مجلس رعاية أسر الشهداء والمصابين.

(7)

كيف يحتفل المصابون بمرور خمسة أعوام على ثورة يناير أو عطب أجسادهم؟ ثم هل ينسون؟ وكيف النسيان وأجسادهم هي ذاتها هزيمتهم!!.

وأصلا.. هل سيحتفلون باعتبار ما حدث في 25 يناير ثورة أم مؤامرة؟ فرئيس الدولة يقول في خطاباته أنها ثورة، وكل أجهزته تتعامل باعتبارها مؤامرة يستحق من شاركوا بها السحق.

وإذا صدّق أحدهم أنها مؤامرة، كيف يتحمل أن عينه أو ساقه ذهبت خلال مؤامرة نظمها أعداء الوطن؟

إنهم لا يمهلونا حتى فرصة الاتساق مع مُصابنا، الهزيمة والجسد المعطوب، يشوشون الذاكرة لنغرق في دوامة عدمية نخرج منها إما موتى أو مثلهم متبلدين مسبحين بحمد من أنقذنا من مؤمرات كوكب بلوتو لغزو وكالة السيد عبده وشركائه.

(8)

إن كل العبث المُر الذي يتحفنا به الوطن يوميا، يزيدني اقتناعا بأن من استشهد خلال الثورة أوفر حظا من أولئك الذين ندبهتم الثورة في أجسادهم ففقدوا ذراعا أو عينا أو ساقا أو استقرت رصاصة بضلوعهم فتؤلمهم كلما تذكروا ويتذكرون كلما آلمتهم. فالمصاب إن لم يلعن وطنه على ما يفعله به سيلعن نفسه على غبائه لتضحيته من أجل بلد يُخوّنه يوميا, وعلى رغبته في بلد ديمقراطي يوفر له معيشة آدمية.

فالموتى أوفر حظا منا، المصابون ونحن – ذوي الأجساد الكاملة- نعيش في وطن ميت بإسكفسيا الغرق في حب قاتله.

(9)

تعرَّض للتعذيب في الحجز مرارًا، وبصعق أعضائه التناسلية بالكهرباء، وإدخال عصا خشبية في شرجه بشكل متكرر، حيث أرغمته الشرطة على الاعتراف بتهمة الاحتجاج بدون ترخيص والانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

أحد أفراد عائلة مازن محمد عبد الله 14 سنة، يحكي عن التعذيب الذي يتعرض له الطفل بإحدى السجون المصرية، سبتمبر 2015.

(10)

تُرى هل يستحق هذا الوطن أن تُفقأ عين مصطفى من أجل عيونه؟.. هل يستحق ناخبو السيد توفيق عكاشة أن تُبتر ساقي يحيى إذا كان حيًّا من الأساس؟.

ولماذا أبقى يحيى على التلفاز.. ليتسلى أم ليعرف كم تسلى به الوطن؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست