مزهوًا كالطاووس بعدما خلع الشاه عن عرش الطاووس، عاد الخميني إلى طهران في الأول من فبراير 1979، وترجل من الطائرة التي أقلته من فرنسا إلى مطار “مهر أباد” في طهران، مع رفاق النضال في مشهد مهيب، محاطًا بحماس وتحية ملايين الإيرانيين، باعتباره الإمام شبه المقدس وقائد الثورة، واخترق موكبه الحشود بصعوبة وسط العاصمة، وفي كلمة ألقاها في اليوم نفسه، أعلن الخميني عدم شرعية حكومة رئيس الوزراء “شابور بختيار” الذي تم تكليفه من قبل الشاه آنذاك قبيل مغادرته إيران قائلًا: “سوف أركل أسنانهم لقلعها”.

كان على متن طائرة الخميني المناضل الليبرالي العلماني “صادق قطب زاده” عضو “حركة الجبهة القومية” التي كانت تستلهم أفكار الدكتور مصدق قبل أن ينتمي إلى “حركة التحرير الإيرانية” التي كان يتزعمها “مهدي بازركان”، ونفي إلى فرنسا والتقى مع الخميني وتحالفا على النضال ضد الشاه، وأصبح المترجم الخاص به ومن المستشارين المقربين له، كما كان على متن الطائرة “حسن لاهوتي أشكوري” المناضل الذي تعرض للاعتقال والتعذيب لعدة مرات في عهد الشاه، حيث بقي 4 سنوات في السجن ثم أُطلق سراحه وسافر لفرنسا والتحق بالخميني هناك، وكان من ملازميه، كما عاد معه من فرنسا المناضل “أبو الحسن بني صدر” قائد الحركة الطلابية ضد الشاه، وقد أصيب خلال انتفاضة عام 1963، ثم فر إلى فرنسا، وانضم إلى مجموعة المقاومة الإيرانية بقيادة الخميني، لكن بعد استتباب دولة الملالي دأبت وسائل الإعلام الحكومية في إيران على إخفاء صور الذين كانوا جنب الخميني عند نزوله من الطائرة، وتحاول أن تضعهم بعيدين عن النظر.

بعد أربعة أيام من عودته وفي 5 فبراير عام 1979، أعلن الخميني عن تكليف منافسه “مهدي بازركان” بتشكيل حكومة مؤقتة، وذلك خلفًا لرئيس الحكومة السابق “شابور بختيار” الذي عيّنه الشاه قبل سقوط حكمه، وقال: “بما أنني قد عينته، فيجب أن يطاع”، واعتبر أنها “حكومة الله” وحذر من عصيانها، فأي عصيان لها “عصيان لله”، كان الهدف من اختيار الخميني لـ “بازركان” استمالة القوى الليبرالية في إيران، وإيهامهم أنه لن يؤسس نظامًا ثيوقراطيًّا، ولكي يُبدّد مخاوف الشيوعيين من ذلك بعد عودة الخميني كان الجيش ما يزال مخلصًا للشاه بسبب الامتيازات الجمة التي كانوا يحصلون عليها، وبقيت الدبابات والشاحنات العسكرية بالشوارع، وظل مستقبل البلاد غامضًا لعدة أيام.

وتولت حكومة الطوارئ العسكرية إدارة البلاد، واستمر حظر التجول قائمًا، بينما طلب الخميني من الشعب أن يصعدوا إلى أسطح المنازل في التاسعة من كل ليلة ويصيحوا “الله أكبر” لمدة نصف ساعة متواصلة تعبيرًا عن حبهم للثورة، ودعمهم لتوليه مسئولية إدارة البلاد، وفعل معظم الناس كذلك، حتى أولئك الذين لم يكونوا داعمين حقيقين له وللثورة، وساد البلاد شعور بالتضامن وتطلع الشعب إلى مستقبل أفضل ترفرف فيه أعلام الديموقراطية، وفيما راحت حركة الخميني تكتسب مزيدًا من الزخم، بدأ الجنود بالانضواء في جانبه، واندلع القتال بين الجنود الموالين والمعارضين للخميني بإعلانه الجهاد على الجنود الذين لم يسلموا أنفسهم، لكن الانهيار النهائي لدولة الطاووس حدث في 11 فبراير عندما نزل الجيش على إرادة الشعب الإيراني.

وأعلن المجلس العسكري الأعلى الإيراني نفسه “محايدًا في النزاعات السياسية الراهنة، لمنع المزيد من الفوضى وإراقة الدماء”، وسرعان ما انتشر الحرس الثوري المسلح، وهو عبارة عن ميليشيات شعبية إسلامية مسلحة لضرب معارضي نظام الخميني، مع أفراد من الجماعات الإسلامية في كل مكان ينظرون بارتياب إلى الجميع، وألقي القبض على مئات الأشخاص بتهمة انتمائهم إلى السافاك، وزج بهم في السجون وصودرت متعلقاتهم، وأعدم البعض بدءًا من كبار المسئولين في النظام السابق الذين لم يغادروا البلاد، وعلقوا على المشانق علنًا في الشوارع على الرافعات، ونشرت الصحف صور مفزعة للجثث المغطاة بالدماء، وبدءًا من أوائل شهر مارس استشعر الديمقراطيون بخيبة الأمل المنتظرة عندما أعلن الخميني قائلًا: “لا تستخدموا هذا المصطلح – يقصد الديموقراطية-، إنها مفهوم غربي”، وأعلن تحريم الرقص وحظره.

وعين الخميني رفاق النضال في مناصب تليق بتاريخهم، فعين “صادق قطب زاده” عضوًا في مجلس الثورة الإسلامية، وتولى رئاسة إدارة الإذاعة والتلفزيون، ثم وزارة الخارجية في حكومة بازركان، بينما تقلد “حسن لاهوتي أشكور” منصب قائد اللجنة الثورية الإسلامية وبعدها تولى منصب قائد الحرس الثوري الإسلامي، بينما تولى “أبو الحسن بني صدر” منصب وزير الاقتصاد والمالية في حكومة بازركان، وفي أول انتخابات لرئاسة الجمهورية في إيران عام 1980، وبعد حصوله على 79% من الأصوات، أصبح “بني صدر” أول رئيس جمهورية لإيران، مع بقاء الخميني في منصب القائد الأعلى لإيران، مستحوذًا على السلطة الدستورية لإقالة الرئيس، لم يكن أبو الحسن بني صدر رجل دين، ولهذا حاز على هذا المنصب وذلك لإصرار الخميني في بداية حكمه على أن رجال الدين لا ينبغي لهم الترشح للمناصب في الحكومة.

في البداية تجلَّت خيانة الخميني لآمال وتطلعات وتضحيات الشعب الإيراني بأن بطش بالأقليات التي نادت بتحقيق أبسط حقوقها، وسط تسلُّط الفرس الذين يشكلون أكبر أقلية في إيران، فارتكب مجزرة ضد الأكراد في كردستان في مارس 1979، أي بعد أقل من شهر على انتصار الثورة، ثم مجزرة ضد العرب في الأحواز في مايو من العام نفسه، ولاحقًا مجزرة ضد الأذريين في أذربيجان الشرقية، ثم بدأ الصدام الأكبر مع كل القوى والمنظمات والأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية، والمرجعيات الدينية الإيرانية نتيجة إصراره على إقامة دولة دينية، وحاول الخميني القضاء على المرجع الديني “شريعتمداري” أواخر عام 1979، بعد اعتراض الأخير وغيره من المراجع الدينية في إيران على الدستور الجديد الذي وضع صلاحيات إلهية ودنيوية مطلقة بيد رجل دين أوحد وهو الخميني، على اعتبار أَّن هذا الدستور مناقض لروح الإسلام.

فأراد الخميني إرهابه وإرعابه بأن أرسل نحو 10 آلاف شخص من أتباعه إلى دار “شريعتمداري” وهم يحملون العصي والهراوات ويهتفون قائلين: “يجب هدم وكر التجسس هذا وإحراقه”، فدارت معارك بينهم وبين أنصار وحرس “شريعتمداري” أدت إلى سقوط قتيلين، وبدأ الخميني صدامه مع الزعيم الوطني الكبير “مهدي بازركان” الذي عينه الخميني بنفسه كرئيس لأول حكومة تَّم تشكيلها في أعقاب انتصار الثورة، والذي سرعان ما استقال في نوفمبر 1979 وهو يشكو حاله قائلًا: “لقد سلَّموني سكينًا بدون نصل”، وبعد ستة أشهر من عودته، بدأ الخميني في تأصيل دولته الديكتاتورية، بدأ قمع المعارضة المعتدلة المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري، واضطهد العديد من كبارها ورموزها.

وفي منتصف شهر أغسطس تم إغلاق عشرات الصحف والمجلات المعارضة لفكرة الحكومة الخمينية، واستنكر الخميني غاضبًا الاحتجاجات التي قامت ضد إغلاق الصحف وقمع حرية التعبير قائلًا: “كنا نظن أننا نتعامل مع بشر، من الواضح أن الأمر ليس كذلك”، وقام الخميني بحل السافاك نهائيًّا عندما تسلم السلطة، واستبدله بجهاز “الفافاك” أي وزارة المخابرات، الذي صار الذراع الأيسر لقمع معارضي الخميني، أما ذراعه الأيمن فكان جهاز الحرس الثوري المسلح الذي تولى عمليات قتل معارضي الخميني بدون محاكمات، فقد أعدم الحرس الثوري 3000 من مسئولي السافاك السابقين، وتولى إدارة معتقل إيفين الرهيب.

كان إيفين سجنًا سياسيًّا منذ زمن الشاه، واسمه يبث الرعب في القلوب، وصار مرادفًا للعذاب والموت، ويمتد على مساحة كبيرة في شمال طهران عند سفح جبال ألبرز، وقد سُجن فيه معارضو الشاه في السابق، وبعد تولي الخميني السلطة، صار سجنًا لمعارضيه في ظل ظروف أشد سوءًا ووطأة من سابقتها في عهد الشاه، ففي عهد شاه إيران كان العنبر داخل إيفين يضم حوالي خمسين سجينًا، بينما في عهد الخميني صار العنبر ذاته يضم أكثر من ستمائة سجين، وارتفعت نسبة الإقبال على الانتحار داخل معتقل إيفين في عهد الخميني للتخلص من العذاب.

وكان القتل يتم بدون حساب، بل إن أفراد الحرس الثوري كان يقتلون المعارضين مجاهرين بأنهم يسدون معروفًا وجوديًّا وتربويًّا ونفسيًّا للمقتول، وذلك عملًا بأحد شعارات الإمام التي كانت تملأ شوارع طهران وميادينها، والذي كان يقول: “لو سُمح للكافر بالاستمرار في الحياة، لأصبحت معاناته النفسية أسوأ كثيرًا، أما لو قتل المرء ذلك الكافر، فيكون قد حال دون ارتكابه مزيدًا من الخطايا، وبهذا يكون الموت نعمةً كبرى له”، وكان جنود الحرس الثوري يغتصبون الفتيات المحكوم عليهن بالإعدام – خصوصًا المنتميات إلى “منظمة مجاهدي خلق”- قبل تنفيذ الحكم، بدعوة أن العذراوات لا يدخلن النار، فلا سبيل لقذفهن إلى نيران جنهم إلا باغتصابهن قبيل الإعدام مباشرة.

وقد تواترت الأنباء عن ابنة أحد الأطباء المعروفين والتي عثرت أمها بين مخلفاتها التي حملت إليها بعد إعدامها هذه العبارة التي كتبتها على قميصها بالمداد “يا أبتاه إن حرس الثورة تجاوزوا على شرفي سبع مرات وها أنا أساق إلى الموت بلا ذنب أو جرم”، والوقاحة الأشد والأنكى هي أن الفرد منهم كان يذهب إلى أم الضحية وأبيها ويقدم لهما مبلغًا زهيدًا يعادل عشرة دولارات ويقول لهما متبجحًا ساخرًا شامتًا هذا مهر ابنتكم التي أعدمت وأنا تزوجتها زواجًا مؤقتًا قبل الإعدام حتى لا تدخل الجنة لأننا سمعنا من كبرائنا أن البكر لا تدخل النار، فكان لا بد من إزاحة هذه العقبة لدخول ابنتكم النار، وقد حدث أن حكم أحد قضاة الشرع في مدينة يزد الإيرانية بالإعدام على أحد أفراد الحرس الثوري لأنه داهم بيتًا للسرقة واعتدى على شرف زوجة صاحب البيت، فخرج حراس الثورة يشيعون زميلهم المعدوم وهم يرددون بصوت واحد “أيها الأخ الشهيد إننا سنسير على دربك”، وبعد يومين عزل الخميني قاضي الشرع لأنه أعدم حاميًا من حماة الإسلام على حد تعبيره.

كان هناك أيضًا “حزب الله” وهم مجموعة من المدنيين المتعصبين المسلحين بالسكاكين والهراوات للهجوم على أي نوع من الاحتجاجات الشعبية، وكانوا ينتشرون في كل مكان ويمكن جمعهم في دقائق، وكانوا أكثر عنفًا مع النساء اللاتي لا يرتدين الحجاب كما ينبغي، وقد تعرضت العديد من النساء للاعتداء والضرب لأنهن يضعن أحمر شفاه أو لأن بضع خصلات من شعورهن تظهر من تحت غطاء الرأس، كما قام الخميني بحل منظمة “مجاهدي خلق” الشيوعية اليسارية التي تأسست عام 1965 على أيدي مثقفين إيرانيين أكاديميين بهدف إسقاط نظام الشاه.

وقد أدت منظمة مجاهدي خلق دورًا كبيرًا في انتصار الثورة، وبعد سقوط نظام الشاه عارض أعضاؤها السلطة المطلقة لآية لله الخميني بوصفه المرشد الأعلى لإيران، ووصفوه بالطاغية، بعد أن أعدم نظام الخميني مؤسسيها وعددًا كبيرًا من أعضائها وقيادتها، وهكذا أعلنت الحكومة الإسلامية أن مجاهدي خلق جماعة محظورة، وأغلقت الحدود ولم يعد مسموحًا لأي شخص بمغادرة البلاد دون تصريح خاص، لكن كان هناك من يدفعون أموالًا طائلة للمهربين كل يوم كي يغادروا إيران من أجل تجنب الخدمة العسكرية، أو الهرب من الاعتقال على يد الحرس الثوري الإيراني، وكانوا يخاطرون بحياتهم كي يعبروا الحدود إلى باكستان أو تركيا.

وفي الأول من نوفمبر 1979 طلب آيه الله الخميني من الشعب الإيراني النزول إلى الشوارع للتظاهر ضد الولايات المتحدة التي أطلق عليها الشيطان الأعظم، وأخبرهم أن أمريكا هي المسئولة عن كل أشكال الفساد على الأرض، فانطلق الآلاف من الناس في الشوارع وأحاطوا بسفارة الولايات المتحدة وحاصروها لمدة أربعة أيام، وفي الرابع من نوفمبر 1979، اقتحم أتباع الإمام مبنى السفارة واستولوا عليها واحتجزوا 52 من الأمريكيين كرهائن، حتى تعيد أمريكا الشاه إلى إيران كي يحاكم محاكمة عادلة.. ويشنق.

في لقاء تليفزيوني مع الشاه أثناء إقامته في أمريكا، سأله المحاور قائلًا: “ألم يخبرك أحد بما يحدث من تعذيب وانتهاكات في إيران؟”، فأجاب الشاه مبتسمًا بكل هدوء وبلكنة إنجليزية سليمة: “لم يكونوا يأتوا إليّ ويقولون لقد عذبنا أحدهم”.

وفي مارس 1980، بدأت “الثورة الثقافية” الخمينية، فأغلقت الجامعات التي اعتبرت معاقل لليسار لمدة سنتين لتنقيتها من معارضي النظام الديني، وفي يوليو فصلت الدولة البيروقراطية 20000 من المعلمين و8000 تقريبًا من الضباط باعتبارهم “متغربين” أكثر مما يجب، واستبدلوا بآخرين مؤيدين للخميني، وأصبح الحجاب إلزاميًّا في الشوارع، وأصبح حتميًّا على النساء إما ارتداء أثواب طويلة داكنة اللون وتغطية رؤوسهن بأوشحة كبيرة، وإما ارتداء الشادور، وحظرت الجماعات السياسية التي تعارض الحكومة الإسلامية أو حتى تنتقدها، وأعلن أن ارتداء رابطات العنق واستخدام العطور ومساحيق التجميل ونمص الحواجب وطلاء الأظافر “رجس من عمل الشيطان” ومن ثم تعرض صاحبتها للعقاب الشديد، وفي المدارس وقبل دخول الفصول كل يوم، يجبر الطلبة على الانتظام في صفوف والهتاف بشعارات مفعمة بالكراهية مثل “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”.

وفى مارس 1981، ألقى رئيس الجمهورية أبو الحسن بني صدر، خطابًا انتقاديًّا للحكومة في جامعة طهران، وأقر بوجود التعذيب في السجون الإيرانية، هذا الخطاب أثار كثيرًا من ردود الفعل المتباينة لدى رجال السياسة في إيران، وفي يونيو1981 زادت خلافاته مع الحزب الجمهوري الإسلامي والخميني، واتُهم أبو الحسن بني الصدر من قبل رئيس البرلمان الإيراني وعدد من النواب الذين كانوا ينتمون للحزب الجمهوري الإسلامي، بالتقصير وعدم الكفاءة السياسية بل والخيانة، بإيعاز من الخميني بدعوى أنه يتحرك ضد رجال الدين في السلطة، وبسبب معارضة بني صدر لإعدام السجناء السياسيين وكتابته خطابات إلى الخميني يحذره فيها من الديكتاتورية، وفي النهاية تمت إقالته من منصب رئاسة الجمهورية، وصدر قرار بالقبض عليه.

إلا أنه استطاع الفرار في اللحظة الأخيرة إلى فرنسا، لكن ألقى القبض على العديد من أصدقائه ونفذت فيهم عقوبة الإعدام، أما حسن لاهوتي أشكوري فقد قامت قوات الأمن باعتقال ابنه بسبب انتمائه لمجموعة مجاهدي خلق، وبعدها بأيام تم اعتقاله بنفسه لأسباب غير معروفة ونقلوه إلى سجن إيفين بطهران، ويعتقد البعض أن مخالفته لعزل الرئيس الجمهوري أبي الحسن بني صدر كان السبب الرئيسي لاعتقاله، وبعد أيام من الاعتقال، أعلنت الحكومة الإيرانية أنه مات إثر السكتة القلبية.

أما عائلة حسن لاهوتي فقد أقرت في مقابلة صحفية مع جريدة “شهروند امروز” (المواطن اليوم) أن تقرير الطبيب الشرعي صرح بأن سبب موته هو وجود سم “ستريكنين” في معدته ولم يمت بشكل طبيعي، أما صادق قطب زادة فقد كان علمانيًّا ليبراليًّا، وكان من الطبيعي أن يقف قطب زادة ضد سلطة رجال الدين، فقد عارض السلطة الإلهية للخميني الملقبة بـ”ولاية الفقيه” وقد أيده في ذلك المرجع الديني “محمد كاظم الحسيني الشريعتمداري”، وكانت زمرة الخميني تصف زادة بأنه “شخصٌ فاسقٌ يعاقر الخمرة والنساء”، وحدث أن هاجم زادة الحزب الإسلامي الجمهوري (حزب الخميني الحاكم) في نوفمبر 1980؛ فتَّم اعتقاله لفترة وجيزة، ثم ما لبث الخميني أن عفا عنه.

وفي 6 أبريل 1982 تم اعتقال صادق قطب زادة بتهمة التآمر والتخطيط لانقلاب عسكري، والإطاحة بالحكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية واتهمته السلطات بزرع مواد متفجرة قُرب بيت الخميني بهدف اغتياله، وقد نفى قطب زادة أثناء محاكمته تلك الاتهامات قائلًا: “إنني أختلف مع الحكومة لكنني لم أفكر بالانقلاب العسكري”، وحكم القاضي “محمد ري شهري” بإعدام صادق قطب زادة، وفي 15 سبتمبر 1982 نفذ فيه الحكم في طهران.

وفي مطلع 1982 لم يبق للخميني من عدوٍ سوى شريعتمداري، الذي بقي يجاهر علنًا بمعارضته بدعة الخميني المسماة ولاية الفقيه، وظل يدعو إلى إقامة جمهورية مدنية تعمل بهْدِي الإسلام، فاتهمته السلطات بالتآمر، وبمحاولة اغتيال قيادات في الثورة، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله، ومُنِع من التدريس، وتعرض أتباعه للتنكيل وتعرض هو للضرب والإهانة، وتم إحراق مكتبته، وبعد تعرضه للمرض تم منع إسعافه وعلاجه فتوفي في بيته، ودفن سرًّا من قبل الأجهزة الرسمية في الليل في مقبرة مهجورة، بالرغم أنه قد أنقذ الخميني من الإعدام في السابق في زمن الشاه رضا بهلوي.

وفي 20 يناير 1981 أطلق الخميني سراح الرهائن الأمريكان بعدما قضوا 444 يومًا في الأسر، وفي الثالث من يونيو 1989 توفي آية الله الخميني بعد صراع مع السرطان، بعدما تجاوز عدد الذين أعدمتهم المحاكم الثورية في حياته أربعين ألف (شاب وشابة وشيخ وشيخة)، ثلاثون ألفًا منهم فقط من منظمة مجاهدي خلق، كما أن بين هذه الضحايا بضعة آلاف من الفتيات والفتيان الذين لم يبلغوا سن الرشد، ولكن الجلادين لم يرحموا الصغار كما لم يرحموا الكبار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست