عبد اللطيف السعدون

استعدت صرخة الدكتور، خالد الكركي، “يا أهل العربية اتحدوا”، التي أطلقها في مجمع اللغة العربية في عمّان، وأنا أحاور أكاديمياً عراقياً ترك بلاده إلى المنفى. حدّثني عن ظاهرةٍ هجينةٍ في أكثر من مدينة وقصبة عراقية، هي ظاهرة انتشار المخاطبة بين مجاميع كثيرة من السكان باللغة الفارسية، وعلى نحوٍ لم يكن مألوفاً، وبين تلك المجاميع تجار وحرفيون، وطلبة، وآخرون. وزاد أن ما جعله مذهولاً حقاً مشاهدته مسؤولاً حكومياً، وهو يخاطب موظفي مكتبه بالفارسية، وعندما تحدّث بالعربية كانت لغته ركيكة، إلى درجة من الصعب عليه توضيح ما أراد أن يقوله.


كشف الأكاديمي المهاجر عن “اختراقٍ” في قطاع التعليم من جهاتٍ مشبوهةٍ، بغرض نشر اللغة الفارسية، وإحلالها محل العربية، لغة البلاد، وإحداث تغييرٍ في البنية الثقافية والسكانية، يضمن إيجاد “لوبي” سياسي واجتماعي نافذ، يمهد لسيطرة إيران النهائية على العراق. في هذا الشأن، ذكر أن ذلك كله يتم تحت ستار العلم، وبطرق وأساليب لا تثير الشبهات، فقد استُحدثت أقسام ومراكز في الجامعات العراقية لتدريس اللغة والآداب الفارسية، يحصل الطلبة المنخرطون فيها على امتيازاتٍ لا تتوفر لطلبة الأقسام الأخرى، حيث يتقاضون منحةً شهريةً قدرها مائة ألف دينار، ويُرسل المتفوقون منهم لإكمال دراساتهم العليا في الجامعات الإيرانية. وبالطبع، لن يكون صعباً تجنيد هؤلاء الطلبة، واستخدامهم أدواتٍ عاملةً في المنظومات الأمنية والاستخبارية، وترويض عقولهم على القبول بما يعهد إليهم من مهمات لاحقة.
تابع الأكاديمي المهاجر: “دورات تعليم اللغة الفارسية للشباب في طول البلاد وعرضها، تقيمها من تسمي نفسها (منظمات مجتمع مدني)، وبتمويل إيراني، ويتم توزيع كراسات ونشرات مصورة وأشرطة تعليم اللغة مجاناً، و(ورشات عمل) في طرق تدريس الفارسية، وتدريب كوادر تعليمية، واستقدام مدرسين وأساتذة من الجامعات الإيرانية، تحت لافتة (التبادل الثقافي والعلمي). هل يحدث هذا كله لوجه الله؟”.
وأضاف: “أعطيك مثالاً صغيراً واحداً فقط، هناك منظمة اسمها (إضاءات فكرية). الاسم رومانسي وجميل، تقيم دورات مجانية كل ثلاثة أشهر، لتعليم اللغة الفارسية في مدن الصدر والشعلة والشعب وبغداد الجديدة، وقد اجتاز الدورات مئات من الشباب، بعضهم أرسلتهم المنظمة إلى إيران لإكمال الدراسة. من تُرى يمول هذه الدورات التي لا أشك في أنها تكلف مالاً وجهداً كثيرين؟ والسؤال الأكبر: لماذا يغمض المسؤولون عن قطاع التعليم عيونهم عمّا يحدث، ولماذا يصمت من يعنيهم الأمر من مثقفين ومفكرين وكتاب عن فضح هذه الظاهرة وإدانتها؟”
في الجانب الآخر، لم يلاحظ الأكاديمي المهاجر اهتماماً باللغة العربية، لغة أهل البلاد، كالاهتمام الذي تلقاه الفارسية التي توشك أن تكون لغة رسمية ثالثة، بعد العربية والكردية، ويُراد لها أن تتقدم على هاتين اللغتين، بل ثمة إهمال متعمد وواضح، كما قال، وصل إلى حد تجاهل حكومات ما بعد الغزو قوانين مهمة، صدرت زمن العهد السابق، تلزم المؤسسات الرسمية والشركات والمنظمات بالحفاظ على سلامة اللغة العربية، واعتمادها في وثائقها ومعاملاتها، وتلزم دور النشر بأن تكون مطبوعاتها العربية بلغة سليمة، تركيباً ولفظاً وكتابة، كما أوقفت عمل (الهيئة العليا للعناية باللغة العربية) التي أسست منذ أكثر من ثلاثة عقود، للعمل على اقتراح تشريعات كفيلة بالحفاظ على اللغة العربية، ومراقبة تنفيذها، وضمّت في تشكيلها الأول نخبة من العلماء والباحثين ورجال الفكر، وفي هذا المآل، تصبح الخشية من فساد لغتنا الجميلة واجبة، وحذرنا ابن خلدون من أن دخول الأعاجم إلى أرض البلاد يجلب معه إلى لغة أهلها الفساد”.
الأكاديمي المهاجر، بعد ما أفضى بمكنونات صدره، تنهد بمرارة، مستعيداً، هو الآخر، صرخة خالد الكركي: “يا أهل العربية اتحدوا، قفوا في مواجهة التيه والخراب، قبل أن تنتحر العربية على أعتاب مجامعنا وجامعاتنا، حزناً علينا، لأننا كنا عن نجدتها غافلين”.
وبعد، يا أهل العربية “ما ذلت لغة قوم إلا ذلوا، ولا انحطت إلا وكان أمرهم في ذهاب وإدبار”!