أحمد ماهر

أصبح لدينا في مصر برلمان أخيراً. كل المشكلات ستنتهي، وسيبدأ عهد الاستقرار والرخاء. خلاص، أصبح لدينا برلمان، وتم تنفيذ الاستحقاق الثالث من خارطة الطريق. ليس مهماً باقي الاستحقاقات ولا جوهرها، ليس مهماً تمزيق الخارطة أو ضياع الطريق. المهم أنه يوجد لدينا برلمان. وبذلك، ستقل الضغوط الدولية كثيراً مع هذه الخطوة الشكلية، فالحكومات الغربية تهتم كثيراً بتلك الشكليات أكثر من الجوهر. وبذلك، تستطيع الحكومات الغربية خداع الرأي العام الغربي، وتبرير الدعم والتعاون مع الأنظمة العربية المستبدة، على الرغم من أن ذلك مخالف للقوانين الغربية، ومخالف لقيم الديمقراطية وتقاليدها. ولكن، منذ متى وللقيم أي أهمية، فالمصالح دائماً تتصالح .


أصبح لدينا أخيرا برلمان، وبذلك أيضاً ستقل الضغوط الداخلية، فالناس سيتابعون السيرك، وسيقل الضغط كثيراً عن الرجل الكبير، فسيكون الكلام والنقد للحكومة، السكرتارية، أو يتعاركون مع بعض، أو يدخلون معارك ثانوية، ويتجاهلون أسباب المشكلات. ولأن البرلمان أحد اهم المؤسسات في الدولة، فهو المؤسسة التشريعية والرقابية، فقد تم ضمان أن يكون خالياً من أي أخطار منذ البداية، وقد تم ضمان ذلك منذ إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمان، مخالفة لخريطة الطريق، ثم تفصل قوانين انتخابات تضمن برلماناً كامل الموالاة والتطبيل.
ولكن، من قال إن التشريع هو إعطاء الشرعية للقوانين؟ ومن قال إن ما هو قانوني هو أيضا شرعي أو مشروع؟ فالتشريع يصبح شرعياً أو مشروعاً، ليس بإصداره من الرئيس أو حتى المؤسسة التشريعية. ولكن، باحترام المجتمع له قبل احترام السلطة، فما بالك لو كانت السلطة أول من يخالف القوانين أو يطبقها “بالمزاج”، أو بشكل موسمي، أو باستثناءاتٍ كثيرة “للحبايب”.
وبنظرة أكاديميةٍ، يمكن القول إن التشريع هو مجموعة القواعد القانونية المكتوبة، والقانون هو القواعد العامة المجردة التي تحكم العلاقات داخل المجتمع، وهو الذي ينظم العلاقة بين الأفراد

“لدينا ترسانة من الاستثناءات والثغرات ذات الشكل القانوني”

بعضهم ببعض، وينظم العلاقة بين الأفراد والدولة، وبدون قانون سيتحول المجتمع إلى الفوضى . أما مصطلح دولة القانون الذي نسمعه في المناسبات من السلطة فيعني أن يكون الحكم للقانون، ويتم تطبيقه على الجميع بدون استثناءات، فدولة القانون هي التي تستطيع تطبيق القانون على الجميع، أما الدولة الفاشلة فهي التي تبدأ بها الاستثناءات إلى أن يكون تطبيق القانون بها بشكل صوري، أو انتقائي، إلى أن تتحول إلى دولةٍ لا تستطيع تطبيق القانون على بعض المناطق أو الفئات التي لا تحترم القانون، بسبب غياب العدالة، أو كثرة الخروق والاستثناءات من الدولة، وهو ما يحدث في مصر للأسف، مثلاً.
هناك عدة ضوابط أو شروط حتى يستطيع التشريع أن يؤدي وظيفته التي وضع من أجلها، منها الديمقراطية في التشريع، أو أن يكون صادراً عن مجلس تشريعي منتخب بشكل ديمقراطي، وأن يتم إصداره بشكل ديمقراطي، وبهدف تطبيق العدالة وتنظيم العلاقات .
ولذلك، لا بد أن يكون التشريع عاماً ومجرداً، وألا يكون موضوعاً لاضطهاد، أو منع فئةٍ ما أو مجموعة معينة في المجتمع، وألا يكون من أجل التطبيق على شخصٍ ما، أو فئةٍ معينةٍ دوناً عن الجميع. وكذلك يجب أن يكون التطبيق على الجميع بدون استثناءات، أو ثغرات في بنوده أو لوائحه التنفيذية، أما لو كان هناك استثناءات فيجب أن تكون محددة وواضحة، وألا تترك لتقدير السلطة التنفيذية.
ولا يجب أن يكون التشريع جامداً أو متخلفاً، فالمفترض أن الهدف هو ضبط حركة المجتمع، وأن الهدف من التشريع والقانون هو التنظيم، وليس المنع والتقييد والعقاب في حد ذاته. ولذلك، يجب أن يتم التحديث كل فترة بما يتوافق مع تطورات المجتمع وتفاعلاته وتغيراته وكل الأمور المستحدثة.
ويمكن للتشريعات والقوانين أن تكون الدافع إلى التقدم وتغيير السلوك نحو الأحسن، إذا كانت القوانين متوافقة مع روح العصر ومع التطور، وتم وضعها بهدف علاج مشكلات المجتمع، ويمكنها أن تكرّس الجمود والتخلف والعادات الخاطئة والمظاهر السيئة، إذا كانت تشريعات قديمة وجامدة .
وكذلك على الدول التي صادقت على معاهداتٍ دوليةٍ أن تقوم بتعديل القوانين الداخلية، بما يتناسب مع تلك المعاهدات، وألا تكون هناك استثناءات أو انتهاكات تسيء للسمعة الدولية لتلك الدولة. ومن المتبع في الدول التي تحترم مواطنيها، ويكون الهدف من التشريع فيها هو التنظيم، وليس القمع، أن يكون هناك نقاش مجتمعي جاد، وليس صورياً مع الفئات المستهدفة من تطبيق القانون.
وكذلك تكون العقوبات متوافقة مع المخالفة، وأن تكون متدرجة، لأن التعسف في التطبيق، وكذلك فرض القانون بدون نقاش أو حوار مجتمعي، بهدف القمع أو المنع، أو استعراض قوة السلطة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإبداع في التحايل على القانون، أو الرفض وعدم التعاون، أو تعميق للمشكلات .
أما الحال عندنا في مصر فهو عكس كل ما سبق، فنحن لدينا ترسانة من الاستثناءات والثغرات ذات الشكل القانوني، تم وضعها بهدف قمع البعض وتكدير البعض، ومن أجل التسهيل والاستثناء للبعض الآخر، وهو ما يؤدي إلى زيادة مشكلات المجتمع وتفاقمها، وزيادة الالتفاف ومخالفة القانون، فرجال السلطة في مصر هم أول من يخالف القانون، ويلتف عليه، فما بالك بالمواطن المغلوب على أمره.
وعودة إلى بداية المقال، هل تعتقد أن هذا البرلمان بتركيبته الحالية، وانتماءات أعضائه، سيقوم بتعديلات تشريعيةٍ، بهدف التحديث، أو بهدف تحقيق العدالة، أو بهدف حل مشكلات المجتمع؟ هل تعتقد أنه سيكون له دور رقابي حقيقي على أداء هذه الحكومة المباركية، أم أن الولاء سيكون للأجهزة التي رتبت هذه التشكيلة، وهذه الانتخابات، بغرض الحفاظ على النظام القديم كما هو؟.