محتجون ضد الحكومة التونسية في القصرين(21 يناير/2016/Getty)

علي أنزولا

لم تمض سوى خمس سنوات على “الربيع العربي”، حتى عادت الاحتجاجات من جديد، لتحتل شوارع المدن في تونس وفي المغرب. أعنف هذه الاحتجاجات شهدتها مدينة القصرين في تونس، وأكبرها في المغرب كانت في الرباط وقبلها طنجة ومدن أخرى. بل لم تتوقف الاحتجاجات في تونس والمغرب طوال السنوات الماضية في جميع أنحاء البلدين. وأغلبها احتجاجات ذات طابع شعبي، وترفع مطالب اجتماعية بالدرجة الأولى.


لم تشهد مصر أيّ احتجاجات بسبب قانون الطوارئ الذي يمنعها، وإلا لما غادر المتظاهرون ميدان التحرير وميدان رابعة العدوية. أما في الدول التي انهارت أنظمتها فلا صوت يعلو فوق صوت السلاح في ليبيا واليمن وسورية.
الأكيد أن نار الاحتجاجات لم تخمد قط، فهي ما زالت متأججة تحت الرماد الذي حاولت “الإصلاحات” و”التغييرات” و”الانقلابات” و”الحروب الأهلية” أن تذروه فوقها. والسبب أن الجمر الذي اكتوى به المواطن العادي مازال هنا خامداً تحت الرماد. إنه الفقر والفساد والبطالة والظلم والذل. وكلها جمرات مازالت ملتهبة.
اتفقت كل الثورات الشعبية على حمل الشعار نفسه “الشعب يريد”، ورفع المطالب نفسها “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”. وإذا كان مطلب الحرية قد تحقق نسبياً في تونس، وجدار الخوف تحطم، إلى حد ما، في المغرب ومصر وأغلب الدول التي شهدت ثوراتٍ شعبية أو عرفت حراكاً شعبياً، فإن مطلبي “الكرامة والعدالة الاجتماعية” مازالا قائمين، وبالتالي، فأسباب الثورة والاحتجاج مازالا قائمين أيضاً. فالشباب الذي انفجر في القصرين والشباب الذين يملأون شوارع المدن المغربية أسبوعياً، يرفعون هذين المطلبين. وفي مصر، حيث المشاعر مقموعة، كما كان يحصل في عهد حسني مبارك، يجب انتظار ساعة أن ينفجر البركان، وتلك لحظةٌ يصعب التنبؤ بها، لكنها آتية، ومحاولات تأخيرها تحت الضغط والقمع لن يزيدها إلا قوة وعنفاً.
أحدث “الربيع العربي” ارتباكاً في دورات الزلازل الشعبية في المنطقة العربية، فقد كانت

“أحدث “الربيع العربي” ارتباكاً في دورات الزلازل الشعبية العربية “

حركية المجتمعات العربية تتسم بالبطء، وتميل إلى الاستكانة، ودورات الهزات الشعبية في الدول الواقعة على خطها كانت تحدث كل عقد أو أكثر، على أقل تقدير. وما نشاهده، اليوم، هو نوع من التغيير الجذري في دورات الهزات الشعبية التي باتت أكثر نشاطاً، ويمكن توقع حدوثها في أيّ لحظة. فهي لم تهدأ في تونس والمغرب، ودخلت إلى مناطق غير مستقرة في ليبيا وسورية واليمن، وحتى الدول التي تبدو هادئة على السطح لا يُعرف ما يمور في داخلها، ولا متى سَتَضِربُ هزاتها.
الجديد أيضاً في موجة الهزات الشعبية الحالية، أنها غير مؤطرة، وأغلبها تلقائي، وهنا خطورتها. ففي الموجة الأولى من ثورات “الربيع العربي”، وهي الأخرى كانت تلقائيةً في أغلبها، إلا أنه كانت هناك حركات مجتمعية وسياسية، قادرة على احتوائها والتأثير فيها، والتطوع لقيادتها وتأطيرها، أو على الأقل لعب دور الوساطة، لتخفيف حدة توترها. وما نشهده، اليوم، هو جيل جديد من الاحتجاجات، منفلت من كل عقال، ويرفض كل وصاية، وغير مستعد لتقديم أيّ تنازلات.
العنصر الآخر الجديد القديم في هذه الهزات الشعبية أنها تحدث في الهوامش، فيصل صداها إلى عمق الدول التي تحدث فيها، ويتردد صداها في كل منطقة فيها، وهذا راجع إلى ثورة تقنيات التواصل الحديث التي باتت تلعب دوراً تأطيرياً وتعبوياً كبيراً، يمتاز بالسرعة والفعالية، وغير خاضع لأيّ وصاية أو تحكم أو ضبط.
الأمر الآخر الذي حملته معها موجة الاحتجاجات الشعبية الجديدة، أنها تبدأ بمطالب فئوية ضيقة، لكنها سرعان ما تحدث هزاتٍ قوية في محيطها، فتنتقل عدواها بسرعة، لتمس فئات أوسع. وهنا خطورتها. أما الفارق الكبير بين ما حدث في أثناء هزة “الربيع العربي” وما قد يحدث اليوم، هو ضآلة هامش المناورة أمام السلطات القائمة لاحتواء ارتدادات الموجات الجديدة من الهزات الشعبية، بعد أن استَنفذت كل المسكنات والمهدئات التي تم اللجوء إليها في السابق مفعولها، تعلق الأمر بإصلاحات أو انقلابات أو حروب أهلية.
وإذا كان العنوان الكبير للجيل الأول من الهزات الشعبية التي أحدثها “الربيع العربي” هو “الثورة”، فإن العنوان الكبير للجيل الجديد من هذه الهزات هو “الرفض”. وعلى الرغم مما يجمع العنوانين من أشياء مشتركة، تعبيراً عن اللعنة والسخط، إلا أن الثورة تبقى تعبيراً عن الغضب، أما الرفض فهو ناتج عن شعور بالتهميش وعدم الاكتراث. وهذا هو الشعور الذي يحرّك اليوم الشباب في تونس والمغرب. وقد حان الوقت لاحتوائه، قبل أن يتحول إلى ما لا تحمد عقباه.