الجنرال توفيق.. صورة مرعبة في الوعي الجمعي للجزائريين (أنترنت)

عدلي صادق

كأنما الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أراد إضافة فقرة إلى تاريخه، تحمل مفارقة حميدة تقول: ما لم أفعله، أو ما كنت قاصداً ألا أفعله، في ذروة العنفوان وتمام الصحة؛ هأنذا أفعله في حال الاعتلال، وفي هزيع العمر، بمعنى أنني استنكفت عن فعله قصداً وصبراً واحتياجاً، وليس عجزاً.


فبوتفليقة، اليوم، غيّب “توفيق” أي محمد مدين (77 عاماً) المنقوع في العسس منذ نعومة أظفاره، حتى أصبح “وحشاً” في الوعي الجمعي للجزائريين، وفي تسميتهم المجازية له. الرجل، في بداياته الشبيهة ببدايات رجال أمن حركات التحرر، وذو المآلات الشبيهة أيضاً، بمآلات رجال الأمن وأواخرهم في أقطارهم المستقلة، بالغلاظة والأفاعيل الجهنمية التي يغلفونها بمنطق الدفاع عن “الثورة” وعن الدولة؛ كانت له بدايات ثورية: مجرد عامل على ظهر سفينة، عاش طفولته في حيي القصبة وبولوغين الشعبيين، قبل أن يلتحق بجبهة التحرير الوطني، من نافذة مخابرات الثورة التي أسسها عبد الحفيظ بوصوف. كانت تلك المخابرات مدرسةً في تخصصها، زاوجت بين الفعل الكفاحي الثوري ضد المستعمر الفرنسي وشجاعة التلامذة وقدرتهم على اختراق صفوف العدو، وكشف أسرار الجيش الفرنسي، وبيع بعضها لمن يرغب في الشراء من أعداء الفرنسيين، والإسهام في تمويل الثورة بأرباح الجهاز.
تجربة استخبارية بديعة في الزمن الجميل، لعل من أطرف ما فيها أن بوصوف ذاك (وقد تآخيت شخصياً، في الجزائر، مع ابنة أخيه سارة) جعل تلامذته يفعلون العجائب التي تصلح كل واحدة منها لإنتاج فيلم سينمائي، لو أن السينما وسوقها معنيان بالزمن الجميل. من تلك اللقطات، كشف أحد عملاء الاستخبارات المركزية الأميركية في الجزائر، والتحقيق معه، واعترافه بأسماء وزراء عرب، كانوا جواسيس للوكالة الأميركية، فأخبرت جبهة التحرير بها الحكومات المعنية. وفي لقطة أخرى، ربما تسمح بها مساحة هذه السطور، أن المدرسة البوصوفية التي كانت تجنّد الفرنسيين والأوروبيين، انتقت، ذات مرة، فتاة فاتنة، تعمل سكرتيرة لدى أهم الجنرالات في حلف الناتو وعشيقة له، فجنّدتها مدرسة بوصوف، ونجحت الفتاة، في تجنيد الجنرال نفسه الذي زوّد المدرسة الجزائرية، وحزبها وجيشها، بأجهزة اتصال حديثة، مكّنتها من التقاط اتصالات الجيش الفرنسي ورصد تحركاته. ذلك ناهيك عن تجنيدٍ غير مسبوق، في تاريخ مخابرات الدنيا، لوزراء من حكومة العدو، منهم ميشيل دوبريه، الوزير الأول نفسه، في عهد ديغول، وفوركارد وزير الاقتصاد، وإيدغار بيرزاني وزير الفلاحة، وشخصيات اجتماعية وسياسية أخرى، بالغة الأهمية، منها أوناسيس اليوناني. لكن ذلك كله لم يكن في زمن “توفيق”، ولا كانت الروح الجميلة التي اجتذبت ذوي ضمائر من فسطاط العدو موصولة بالروح التي عافها الجزائريون.
مع وصول “توفيق” إلى موقع مدير المدرسة، التي حازت شهرةً دوليةً، وكانت السابعة في التصنيف العالمي لأجهزة المخابرات، والأولى عربياً، كانت غزلانها قد تبدّلت بقرودها، فقبل أن يحل “توفيق” في منصبه، وتُعاد لأجله هيكلة المؤسسة الأمنية الجزائرية، تحت عنوان “دائرة الاستعلام والأمن” التي تضم 12 ذراعاً أمنيةً؛ كان الشعب الجزائري قد تململ ثم انفجر. أقيل، في عام 1988، لكحل عياط ومحمد بتشين عن مديرتي “الأمن العسكري” و”الوقاية والأمن”، وأصبح “توفيق” الغليظ فرس الرهان. كان ذا صلة حميمة مع الجنرال العربي بلخير، رئيس ديوان الرئاسة أيام المرحوم، الشاذلي بن جديد. وبلخير وخالد نزار كانا يصنعان الرؤساء بعد المرحوم، هواري بومدين، لأن كلاً منهما لا يجيز له الدستور أن يصبح رئيساً، بحكم أنه عمل ضابطاً في الجيش الفرنسي، ولم يلتحق بالثورة يوم اندلاعها في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1954. ولعل هذه الفقرة من الدستور، المحقّة بالمعيارين الوطني والتاريخي، هي إحدى أسباب مشكلة الجزائر في ما بعد، حيث وقف العسكر وراء ظهر الدولة، يوجهونها إلى حيث تروق لهم الوجهة، فتعطلت التنمية واستشرى الفساد، وعانى الجزائريون.
غير أن سياق بوتفليقة، في هزيع عمره وحكمه، ينم عن رغبةٍ في ترك الدولة دونما بندقية غير مأمونة، مثبتهً في ظهرها، كان هو نفسه قد عانى منها!