توفيق بوعشرين

يعتقد بعضهم أن العالم العربي كان سيكون أفضل، لولا الربيع العربي الذي حل ضيفاً ثقيلاً، قبل خمس سنوات، على هذه القطعة الجغرافية الميّتة من العالم. ويرى هؤلاء أن العرب كانوا يتعايشون مع أنظمة الفساد والاستبداد التي كانت تحكمهم بالقهر، لكنها توفر لهم الأمن والاستقرار وتعايش المذاهب والطوائف في بلدانهم، حتى وإنْ على حساب كرامة المواطن وحريته ورفاهه. لنتصوّر، إذن، السيناريو الذي لم يقع في بلدان الربيع العربي، ولندقّق في حالة الأنظمة التي سقطت أو تزعزعت أو تغيّرت، كيف كانت ستصبح، وقد امتد عمرها خمساً وعشر سنوات أخرى؟


كان الجنرال بن علي سيغرق وعائلته أكثر في مستنقع الفساد، بعد أن أمضى 23 سنة في الاستبداد، والتسلط وخنق الحريات. كان سيبني لزوجته وعائلتها إمبراطورية مالية، ستفرض عليها التفكير في خليفةٍ للرئيس المريض، من أجل حماية السلطة التي تبيض ذهباً. هل كان التونسيون سيصبرون على الاستبداد والفساد؟
لنتصوّر أن حسني مبارك استمر في حكم مصر، وفي التمهيد لمشروع التوريث، والاستمرار في تزوير الانتخابات، وتجريف الحياة السياسية، وتوطيد أركان دولة الفساد التي أطلقت أيدي رجال الأعمال في قوت الناس، وباعت الغاز لإسرائيل بأثمنة تفضيلية، ورضيت أن تحول مصر من بلدٍ يقود العالم العربي إلى بلد كل دوره التوسط بين إسرائيل والفلسطينيين. هل كان ملايين المصريين سيبقون في عشوائيات، وجالسين أمام الفضائيات، والرئيس يدمر البلد، ويوسع من نفوذ القوى الدينية الغاضبة في قاع المجتمع؟
لنتصور ليبيا، وقد أكمل معمر القذافي عقده الرابع في حكمها، ودخل إلى الخامس مدججاً بالحديد والنار والخطب الطويلة وزوار الفجر. هل كان شعب ليبيا سيقبل خمس سنوات أخرى من حكم المجنون الذي أهدر ثروات كبيرة على مغامراته في الشرق والغرب، وصنع من ليبيا أضحوكة بين الأمم، بعد أن نصب نفسه ملك ملوك قبائل إفريقيا.
لنتصوّر اليمن، وقد مدد سلطة علي عبد الله صالح، وأعطاه مزيداً من الوقت والنفوذ، للقفز فوق رؤوس الثعابين، واللعب على تناقضات القبائل والجهات والمذاهب، والاستمرار في التخطيط لتسليم البلاد إلى ابنه البارّ، لتأبيد سلالة الزعيم في حكم اليمن الذي يعيش خارج الزمن. هل كانت أحوال البلاد المتعبة ستصبر على حكم من هذه الفصيلة؟
لنتصوّر بشار الأسد، وقد استمر في حكم شعب سورية، ووضع البلاد في دولاب المخابرات والحزب الوحيد، وتبديد زمن الإصلاح، والضحك على الذقون بشعار الممانعة وبإجراءات الانفتاح الاقتصادي الكاذب الذي ينتهي ريعاً في جيوب العائلة والعشيرة والطائفة. هل كان السوريون سيصنعون لهم مستقبلاً في حاضرٍ كهذا؟
لنتصوّر المغرب من دون ربيع، وقد أحكم حزب الدولة (الأصالة والمعاصرة) قبضته على الحياة السياسية، ووصل إلى الحكم في محاولةٍ لتقليد النموذج التونسي الذي كان يغري الدولة العميقة في الرباط بتقليده، نموذج فيه نمو وليس فيه تنمية، فيه انفتاح وليس فيه ديمقراطية، فيه أحزاب وليس فيه تعدّدية، فيه تطبيعٌ مع الغرب ولا تطبيع مع الشعب. هل كان المغاربة سيشهدون تعديلاتٍ دستورية يتنازل فيها الملك عن نصف سلطته، وهل كان الإسلاميون سيصلون إلى السلطة على ظهر صناديق الاقتراع؟
كانت الثورات العربية أفضل سيناريو يمكن أن تشهده البلاد العربية، حين خرج الشباب إلى الميادين والشوارع، يرفعون شعارات الخبز والحرية والكرامة الإنسانية، بكل تحضّر وسلمية وتعددية. ولو كُتب للربيع عمر أطول لأزهر، ولو وجد مساندةً من الغرب، لكان مخرجاً تاريخياً لأزمة معقدة. أفضل المتفائلين لم يكن يظن أن تخرج هذه الثورات، قبل أن يجري تحريفها أو خنقها أو عسكرتها أو تطييفها من رحم العرب المرضى، والمصابين بأعطاب كثيرة. كان الجميع ينتظر مصيراً للعالم العربي شبيهاً بالصومال أو أفغانستان، حيث الدول ستنهار، وحيث القبائل والعشائر والطوائف ستدخل في حربٍ أهلية تدوم سنواتٍ، قبل أن يُصار إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، وهويةٍ سياسيةٍ للأطراف المتحاربة على جثة الدولة العربية التي أكل الاستبداد روحها، وعبث الفساد بمصيرها. اقرأوا تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لسنة 2005، فيه صورتنا بدون مكياج وحقيقتنا بدون رتوش.