الأكثر تمثيلاً للقيم المصرية

وائل قنديل

أيهما مصر: أبو تريكة الذي يوصي بأن يضعوا معه في قبره قميص التعاطف مع غزة، أم عبد الفتاح السيسي الذي يعتبر أن من أهم إنجازاته الجاكيت المضحك، ذا النجمة الحمراء الذي منحه له قاتل أطفال سورية، فلاديمير بوتين؟ وأيهما تعرفه مصر وتحبه أكثر: الرجل الذي منحه شهداء الكفاح الفلسطيني ميداناً يحمل اسمه في مدينة غزة الصامدة، أم الشخص الذي منحه المعتدي الروسي معطفاً، ثم حظر هبوط الطيران المدني المصري في المطارات الروسية، ومنع سائحيه من الذهاب إلى مصر الغارقة في مستنقعات فشل الجنرال المضحك وبلادته؟

أيهما ينتمي إلى الإنسانية وإلى العروبة وإلى المصرية الحقة، وإلى القيم الدينية والأخلاقية:  الرجل الذي يكافأ معنوياً على انحيازه الإنساني والوطني المطلق للشهداء، ضحايا الهمجية الصهيونية، أم الشخص الذي يكافأ مادياً على استعماله في تمرير وتبرير ممارسة عمليات الإبادة ضد الشهداء ضحايا الجريمة الروسية في سورية الشقيقة؟

لأنني ممن يفخرون بأن بيننا رجلاً، اسمه محمد أبوتريكة، أهديه هذه السطور التي كتبتها إليه قبل أربعة أعوام، حين انحاز لشهداء مذبحة ملعب كرة القدم في مدينة بورسعيد، رافضاً أن يكون بهلواناً على مسرح مصاصي دماء الجماهير من طبقة إقطاع كرة القدم: كان المشهد شديد التناقض وموغلاً في المفارقة في ستاد برج العرب: مسؤولون يحتفلون بعودة هيبة دولتهم، لكنهم مطأطئو الرؤوس، ينظرون في الأرض، أعينهم تهرب من العدسات ومشاهدي التليفزيون، كأنها حمر مستنفرة، بينما قساورة الألتراس يزأرون خارج الأسوار بالحق والخير والجمال.

وفي ستوديوهات الكذب، امتد حبل الثرثرة والتفاهات، طعناً في نبيل الرياضة المصرية هذه الأيام، محمد أبوتريكة، حيث انهال المنتفخون جهلاً وبلادةً تجريحاً في اللاعب الخلوق، بين معاير له بفقره وتواضع مستواه الاجتماعي، قبل أن يصبح نجم نجوم الكرة العربية والأفريقية، وبين ناقم على اتساقه مع ذاته، وصلابته الأخلاقية في مواجهة عواصف التدليس والسفسطة.

كل ما فعله محمد أبوتريكة أنه قرّر أن يكون مع الفطرة البسيطة السليمة، رافضاً السباحة في مستنقعات الزيف الأجير، منحازاً لحق الشهيد، غير قادر على الرقص في حفلات المجون الرياضي، بينما لا يعرف مقتول من قاتله ولم قتله، ودماء 74 شهيداً لا تزال بلا ثمن.

أي خطيئة تلك التي ارتكبها أبوتريكة، حين قرر ألا يركض ويرقص ويحتفل على عشبٍ مبللٍ بدماء الضحايا؟  وأي جريمة اقترفها، حين اختار أن ينحاز لمشاعر جماهير الكرة الحقيقية، أصحاب الحق وأصحاب الفضل على كل هؤلاء السادة الذين تأنقوا، ولمعوا أدمغتهم بورنيش الحماقة، وجلسوا على مصاطب التحليل والتنظير، يعلمون الناس الوطنية والفضيلة، وجلهم من مدرسة “زي ما قال الريس منتخبنا كويس”، ابتداء من وزيرٍ للرياضة ينتمي، قلباً وروحاً وعقلاً، لمنظومة جمال مبارك الفاسدة، وليس انتهاء بنجوم العار الذين وضعوا مصر في وحل معركة الجزائر الشهيرة؟

إن هيبة الدولة ليست جملة شديدة الإسفاف والابتذال، تلوكها ألسنة كباتن الهانم ونجليها، ولا تصنعها فرمانات وقرارات، تنفذ على جثث الشهداء والضحايا، بل تصنعها سياسات تقيم العدل، وتستجيب لحقوق الناس ومطالبهم. ويخطئ من يتصور أن هيبة دولةٍ يمكن أن تتحقق، من دون مراعاة هيبة الدم وقدسيته، والانتصار لكرامة المواطن والقصاص لشهداء الجريمة السياسية التي نفذتها أصابع محترفة في بورسعيد.

وفي العالم المتحضر، يلعبون كرة القدم من أجل إسعاد الجماهير، وليس من أجل أمراء اللعبة وسماسرتها والعاملين عليها.. هي صناعة وتجارة نعم. لكنها، تقوم بالأساس على ما يتكبده الجمهور البسيط من مشقة، فإذا كان هذا الجمهور، وهو العنصر الأول والأهم في المعادلة، لا يريد هذه “التجارة”، قبل أن يسترد حقوق شهدائه، فلا معنى، إذن، للإصرار على استئناف هذا النشاط، إلا أن السادة الملمعين المتأنقين يحتقرون هذه الجماهير الغاضبة. غير أن أكثر ما يلفت النظر في المسألة كلها أنهم يتلمظون ويشتعلون غيظاً وغضباً من رجلٍ قرّر أن يتخذ موقفاً أخلاقياً محترماً، اسمه محمد أبوتريكة، وعليه قرّروا أن يطردوه من جنتهم الزائفة، وينبذوه في العراء. فليهنأوا بتجرع كأس “سوبرهم” الملوثة حتى الثمالة.. والمجد لمحمد أبوتريكة والألتراس.