حشود في دمشق تنصت إلى جمال عبد الناصر(1960/Getty)

صقر أبو فخر

كان لحروب الفرنجة شأن كبير في انتصار البرجوازية الأوروبية على النظام الاقطاعي القديم، فبينما كان النبلاء والأساقفة يعدّون موتاهم على طريق القدس، كان التجار والصيارفة يعدّون أموالهم المتزايدة. وعندما انتهت آخر حملات الفرنجة على المشرق العربي، اكتشف النبلاء أنهم شارفوا على الإفلاس. والمخرج الوحيد هو بيع أراضيهم للتجار، لكي يستمروا في إنفاق أثمانها في قصورهم الباذخة. وكان ذلك أول مسمار يُدق في نعش الإقطاع الأوروبي. وفي القرن الرابع عشر، كان للطاعون الذي ضرب إنجلترا شأن مهم في تفكيك علاقة التبعية بين الفلاح والإقطاعي. وفي عام 1755، أدى زلزال هائل إلى اجتياح أمواج البحر سواحل لشبونة، فقتل فيها نحو مائة ألف نسمة. وساهم ذلك الزلزال في انبثاق عصر الأنوار الأوروبي، نتيجة المجادلات الفلسفية والدينية التي اندلعت آنذاك، والنقد الذي طاول الكنيسة الكاثوليكية، وتفسيراتها الخرافية للزلزال.


وحتى في بلادنا، لم تبدأ الإصلاحات العثمانية جدياً إلا بعد هزيمة الجيش العثماني أمام جيش محمد علي في الشام. واكتشف السلطان محمود الثاني هذا الخلل، فألغى الانكشارية في سنة 1826، وأسس جيشاً نظامياً حديثاً. وغداة حرب القرم التي هُزمت فيها تركيا أمام روسيا، صدر “خطي همايون” في سنة 1856 الذي نص على احترام حرية الأديان، وعلى إزالة الألفاظ التي تحط من قيمة غير المسلمين من المحرّرات الرسمية للدولة كالبيوع التي كان بعضها يُكتب على النحو التالي: “باع الكافر ابن الكافر جرجيس بن حنا منزله إلى ابن ساكن الجنان محمد أنور بن صالح بالمعلوم من الريالات”.
بدأ الفكر الإصلاحي في تركيا، أولاً، قبل أن تتعرف إليه النخب العربية. وهو ظهر لدى الإنتلجنسيا التركية التي اطلعت على التقدم الأوروبي، وتحفزت لمواجهة انحطاط النخب العسكرية والدينية التي كانت لا تقوم من هزيمةٍ حتى تقع في هزيمة أخرى. وكان أبرز أبطال الإصلاح مدحت باشا، رئيس حزب الأحرار الذي أعلن الدستور في سنة 1877. وبالطبع، عارضه رجال الدين والمحافظون، ثم السلطان عبد الحميد نفسه الذي لم يكن مستعداً للتنازل عن سلطاته لمصلحة الدستور. وتمترس الملاك والأعيان حول مؤسسة الأوقاف والشبكات الدينية التقليدية. وفي نهاية المطاف، اعتُقل مدحت باشا بتهمة قتل السلطان عبد العزيز الذي انتحر في الواقع، وحكم عليه بالإعدام الذي خفف إلى الإقامة الجبرية في المنفى الحجازي. وهناك في جدة، وُجد مخنوقاً في سنة 1884.
كانت الحروب الخارجية ولاّدة الثورات (هزيمة روسيا أمام اليابان جاءت بثورة 1905، وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى أدت إلى ثورة أكتوبر 1917. وهزيمة الجيش المصري في حرب 1948 ولدت ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952). لكن الحروب الأهلية ولاّدة المصائب والكوارث بلا ريب. ومع أن المفكرين الإصلاحيين والنهضويين العرب كثيرون جداً، من عبد الرحمن الكواكبي إلى خير الدين التونسي، ومن فرح أنطون إلى عبد الرحمن الشهبندر، إلا أن التاريخ العربي الحديث لم يشهد شخصية مثيرة من طراز مدحت باشا. ولو أن جمال عبد الناصر اتخذ، في ذروة زعامته إبّان الوحدة مع سورية في سنة 1958، قراراتٍ حاسمة في شأن الديمقراطية والعلمانية لكانت الناس سارت وراءه كما تسير وراء نبي، وهو ما فعله جزئياً الحبيب بورقيبة في مدونة الأحوال الشخصية. لكن، هل كان عبد الناصر ديمقراطياً حقاً؟ بالطبع، لم يكن علمانياً، ولم تكن هاتان المسألتان على جدول أعمال الحركة القومية العربية آنذاك، بل التحرر الوطني.
ما نشهده اليوم هو نتيجة توليدية لما بُني في الأمس، وها نحن دائخون في حروبنا وهزائمنا وكوارثنا، ولا نعرف ما السبيل إلى الخروج من هذا الشرك الفظيع. وما برح المال في بلادنا يجرّ المال، والقمل يجرّ الصئبان.