عصام القدسي (اليمن)

لقراءة المادة عن الموقع الأصلي إضغط هنا

حمدي البكاري من الصحفيين اليمنيين القلائل الذين وهبوا حياتهم من أجل بلده، اليمن الذي غاب عنه كل العدسات ورجال الصحافة والإعلام، وخذلوه جميعاً، ما عدا هذا الشاب الذي لم يخذل وطنه تحت أي مبرر. لهذا أطلقت عليه قناة الجزيرة أفضل صحفي خلال العام 2015 ، كيف لا وحمدي اليوم يتجول في مسرح الحرب بين الرصاص والقذائف والقصف المرعب ناقلاً معاناة شعب بأكمله.


ليست الكلمات وحدها من تتحدث عن حمدي البكاري، بل الصورة ومقاطع الفيديو التي أظهرته وبكثرة في تغطيته أحداث مأرب وعدن وتعز التي اختطف فيها.
معروف أن الاعلام اليمني غُيّب تماماً في هذه الحرب، ولأول مرة في تاريخ اليمن والعالم، لكن حمدي أصر على مقاومة هذه الظروف، فغاب الجميع وحضر حمدي. وإذا ما أردت أن تعرف بعض تفاصيل الحرب، وتغطية ما يدور، فما عليك إلا أن تنظر إلى نشرات قناة الجزيرة، وتقارير هذا الصحفي الشجاع والحربي، تغطيات واسعة ومستمرة، بل وعلى مدار الساعة. في الليل، ستجد حمدي في أرض المعركة، وفي النهار صباحاً ووقت الظهيرة ووقت الغروب، الأمر الذي حيّر الجميع، وجعلهم يتساءلون كيف ينام هذا الصحفي؟ ومتى؟
غياب حمدي البكاري اليوم لا يعني غياب رجل، بل غياب تفاصيل حرب بأكملها، غياب مع حملات واسعة أطلقها الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي، من فيسبوك وواتس آب وتويتر، ومواقع أخبارية أخرى، أبرزت صور حمدي اليوم على صفحات معظم الصحفيين اليمنيين.
“حمدي البكاري ليس مجرد خبر عاجل”، هكذا يقول الصحفي غمدان اليوسفي وبعض رفاقه، مضيفين “اختفاء حمدي يعتبر اختفاء لتعز وآلامها، وعدم نقل معاناة مدينة وشعب كامل”.
يذهب الكاتب اليمني الدكتور خالد الرويشان إلى القول إن صور حمدي تصدرت قنوات العالم، قبل أن تبدأ قناة الجزيرة حملتها، مضيفاً: للأطراف والجهة التي أقدمت على خطف البكاري وإخفائه، بأنها فتحت جحيماً فضائياً على رؤوسهم، وحذّرهم بسرعة الإفراج عن البكاري ورفاقه، قبل أن تفتح الامبراطورية (الجزيرة) عينيها.
اعتاد ملايين اليمنيين انتظار حمدي البكاري، ليطل عليهم على قناة الجزيرة بمعاناة تعز وجراحها. مشياً على الأقدام، وتحت حرارة الشمس، يجتاز الجبال والطرق الوعرة، ساعياً إلى نقل صور الحصار والموت التي تفرضه جماعة الحوثي والمخلوع علي عبدالله صالح، منذُ عشرة أشهر على مدينة تعز وسط اليمن، فلم يكن حمدي مثل بقية الصحفيين الموجودين في تغطية الحرب في تعز، بل كان صوت الكلمة والحقيقة الأكثر لمن يبحث عن أخبار تعز داخل الوطن وخارجه.
من خارج اليمن المخرج التلفزيوني اليمني، أحمد الشميري، يتحدث “حمدي البكاري هو النافذة التي ننظر بها إلى تعز، هو صوت الحقيقة الوحيد في تعز”، ويضيف: “هناك عدة قنوات فضائية تقوم بتغطية الأحداث في تعز، لكنها لا تحظى بالرغبة والمتابعة لتفاصيل ما يدور داخل المدينة، فالصور التي تعرض فيها معظمها تكون أرشيفية، ليست كالصور المباشرة التي يطل بها حمدي البكاري من بين الركام والموت والباروت”.
“أطلقوا سراح حمدي البكاري، أطلقوا صوت الحقيقة”. بهذه العبارات وغيرها، تعالت الأصوات في شوارع مدينة تعز اليمنية، مطالبةً بالإفراج عن حمدي، أطفال ونساء وشيوخ، هتفوا جميعاً: حمدي.
لن يفتقد حمدي المحيط الصحفي والإعلامي وناشطين وسياسيين فقط، بل تلك الأرصفة الموجوعة، وتلك الطرق الوعرة وعجائز تعز وأطفالها التي لخص حمدي الإنسانية في تعامله معهم، ونقل قضاياهم.