باسم العبسي (اليمن)

كانت أمي دائما تكذب علي، وتقول لي كُل الطعام فأنا لست جائعة، خذ نصيبي فأنا لا أريده، خذ هذه النقود فأنا لست بحاجة إليها، خذ معطفي لتدفئ نفسك، فأنا لا أحس بالبرد، وعندما كانت تتألم وتراني قلقاً عليها تخفت بأذني: لا تحزن، فأنا لست مريضة، ولو استطاعت الأم أن تعطي فلذة كبدها وقلبها لأعطته.


لمسة يدكِ لي دواء وشفاء، نظراتك رحمة وستر، ابتسامتك رضا ووعد بالاطمئنان في دنياي وآخرتي، ضمة صدركِ خير من الدنيا وما فيها، في قلبك رحاب، وفي عتابك وتوبيخك محبة، وعلى جبينك فيض من رحمة الرحمن، أنتِ يد الله الحانية على الملكوت، دعاؤك يقرع أبواب السماوات فتسمع الملائكة، تطلبي فتجابي، وتبكي فترق لك السماوات والأرض.
أمي.. أنتِ أغنية القلب الأبدية، دندناتك تسكن جوارحي وتحميني من كل شر، أنتِ الملجأ والملاذ، أنتِ فرحة السكينة. الحنين عليكِ طاعة وإرضاء الخالق، البكاء بين يديكِ فريضة، لا يستطيع أي منازع أن ينازعك، ولا يقوى أي كائنٍ أن يحل محلك، دعواتك لي بمثابة سياج متين وعناية ربانية ترعاني ودرب مستقيم أسير عليه، دعواتك يد الله على قلبي الظامئ.
أتذكّر في كل صباح عندما كنتِ توقظينني بالدعاء متمنية لي الخير كلة، كنت لا أعلم أن ذلك الصباح الحقيقي في العالم أجمع، وكان علي أن أفز وأنفض النوم لأراه، كنتِ تعلمين جيداً أن الرزق بيد الرزاق، فكنتِ تسألين أن يُنزل خير السماء، وأن يعطيني من خير الأرض. كنتِ تدعين لي في كل شيء، عندما أقدم لك طعاماً أو حتى أمد يدي لأساعدك على الوقوف، كنتِ لا تنسيني من دعائك لي، قبل أن أذهب إلى النوم، كفاكِ كانتا مستعدتين لأن تُرفع في كل وقت وحين، وكأنك تؤمني أن أكفك خُلقت هكذا لتعانق السحاب لأجلي في كل حين.
أمي أنتِ كل حياتي، لولاكِ سأضيع وأنتهي، أنتِ حمايتي بعد الله، دعواتك تصادم القدر في عنان السماء، لأجلكِ الملائكة تكرمني من غير أن أصنع شيء، عن ماذا أتحدث، يكفي أن الجنة تحت قدميك الطاهرتين، فلا جمال ولا حنان ولا رعاية ولاحب مثل ما تقدمين لي، فرضا ربي من رضاك.
أمي، أنتِ الشخص الوحيد الذي سيُسامحني مهما أخطأت، قد أكون قصّرت في حقك، وقد أكون عاقاً من غير قصد، لأنني لم أستطع أن أبادلك الحب نفسه، وبالمقدار نفسه الذي تكنينه لي، فشجرة عفوك لا تنضب، مهما تعرّضت لرياح الحزن والألم.
أيتها الأم الحنونة المنيرة الطيبة، أيتها الأم الصابرة المثابرة النقية المستبشرة، أيتها الأم الحانية الرؤوفة الرحيمة، أيتها الأم الوفية التقية الرحيمة العظيمة. شكرا أمي، لكل شيء فعلته لأجلي. اللهم أسعد أمي فإنها أسعدتني، وارزقها الجنة، فإنها جعلت حياتي جنة، فلا تحرميني من جميل دعائك، فما زلت أتوضأ به صباح مساء.