متسابقة في إحدى حلقات برنامج “The voice Kids”

نجوى بركات

معظم البرامج الفنية الترفيهية التي راجت سابقاً، وتروج الآن، مثل استوديو الفن وإكس فاكتور وستار أكاديمي وسواها مما يهدف، بالدرجة الأولى، إلى جذب المشاهد والترفيه عنه، تلتمع في بداياتها كالشهب في سماء الشهرة، لتعود وتذوي بعد موسم أو موسمين، مبعدة عنها جزءاً كبيراً من متابعيها النيّرين. على خلافها، يبدو برنامج “ذا فويس – كيدز”، الذي يعرض حالياً على شاشات عدة فضائيات عربية وبالتزامن، شيئاً مخالفاً، وعلى حدة.

فهو موسوم بصدق أبطاله الذين تتراوح أعمارهم ما بين 7 و 14 عاماً، الآتين محمّلين بأحلامهم الصغيرة وأصواتهم الكبيرة، بحبهم للغناء، وقدرتهم المدهشة على الأداء بجسارة ومقدرة عالية، أمام الملايين. وعلى عكس الرائج في البرامج المخصّصة للصغار، يبدو الأطفال في “ذا فويس – كيدز” وكأنهم قد كبروا أجيالاً، فنضجوا بسرعة الضوء التي مرّت بها الأعوام العشرة الأخيرة في بلدان عربية عديدة.

هم أكثر وعياً وجدّية، لا يتقدّم منهم سوى الموهوبين فعلاً، يغنّون أغاني لا تمتاز بأية سهولة، ولا تمتّ إلى أعمارهم بصلة. كأنهم من كوكب آخر، أبناء أرض أخرى، وقد نزلوا علينا بأصواتهم التي تحمل بصمة الآلهة، وسمة شقاء العالم الذين منه يأتون، وإليه ينتمون. مواويلهم تفيض بالشجن والحنين، وطربياتهم لم تعد من العملة التي تُصرف في أيامنا هذه، حيث يروج الرخيص والمبتذل والدميم. حتى أعضاء لجنة التحكيم، النجوم المعروفون الذين حُفرت ملامح شخصياتهم في أذهان الجماهير بصورةٍ معينة، يكتسبون، بظهورهم الجديد في هذا البرنامج، صورة مخالفة، تلك التي للأهل القلقين على أولادهم، الشاعرين بالفخر إذا ما أنجزوا شيئاً، أو المصابين بالحزن إذا لم يحالفهم الحظ. يضع كاظم السهر يده على قلبه، ويتعرّق كلما سمع خطوات أحدهم يتقدم نحو الميكروفون، وتبكي نانسي عجرم حين تكتشف أنها لم تستدر لاختيار طفلةٍ بعمر ابنتها الصغيرة، ويركض تامر حسني إلى المسرح، حين ترتجف شفتا مشترك، قبل أن تغمر دموع  الخيبة عينيه. ومع هذا، فنجوم البرنامج الفعليون وبلا منازع، هم الأطفال. مستوى مواهبهم أعلى من المتوقع، سواء من حيث الجودة أو العدد. هناك المصري (ة) والسوري (ة) والعراقي (ة) واللبناني (ة)، إلخ… يأتون من أعمار مقصوفة، من تهجير وغربة وبؤس وشقاء، يبدون أحفاداً لأهاليهم وليس أبناءً، ويطلقون آهاتٍ طالعةً من بئر الروح، يشدّون بها قوارب نجاة تحمل كل أفراد عائلتهم، ويجدفون بها بأوتار صوتهم، كي يصلوا بهم إلى برّ الأمان. لعلهم ينجحون، فينقذون العائلة كلها، يرفعون ستارة البؤس والحرمان، منزلين مكانها احتمالات فصولٍ أخرى، بنهايات سعيدة هذه المرة. ولمرةٍ أولى ربما، في هذه السنوات العشر الأخيرة على الأقل، نرى صورا مشرقةً لأطفالٍ من العالم العربي. نرى صورا لهم حيث هم ليسوا قتلى، وليسوا غرقى، وليسوا جياعاً، أو مشرّدين، أو حفاة، أو بؤساء، إلى ما هنالك مما يفضح قسوة هذا العالم بحقهم، ويُظهّر، أسود على أبيض، حدّة أوجاعهم ومعاناتهم التي تفوق قدرة الإله على الاحتمال. تقول الطفلة العراقية، ميرنا حنا، ذات الصوت الذي يخترق الوجدان مثل نصلٍ منذ لحظة سماعه، إنها تحنّ إلى بلدها العراق، وإنها، مهما بقيت في لبنان، ستظل تشعر أنها ضيفة فيه. ثم تروي كيف أن والديها وإخوتها اتفقوا على الرحيل، وترك كل شيء وراءهم، خوفاً عليها من مصيرٍ مخيفٍ تعرّضت له طفلاتٌ كثيرات قبلها، على يد داعش … كما ميرنا، يعرف هؤلاء الأطفال أن لا أوطان لهم، أنهم، بتقدّمهم في الحياة، يخلفون وراءهم بيوتاً وأحباء وحرائق، مدركين أنهم ربما الفرصة الوحيدة لنفاد أهاليهم، وأن أصواتهم البريئة الشجية هي نافذتهم الأخيرة على السماء.