من الاحتجاجات والصدامات في القصرين (21 فبراير/2016/الأناضول)

صلاح الدين الجورشي

مرّت تونس، في الأيام الأخيرة، باختبار صعب. تابع التونسيون مشاهد شبيهة بما حدث بين 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 و 14 يناير/كانون الثاني 2011. آلاف الشباب في حالة اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن، يرشقونهم بالحجارة، ويتلقون منهم كميات هائلة من الغاز المسيل للدموع. بدأ المشهد محدوداً داخل ولاية القصرين التي سبق أن قدمت أكبر عدد من شهداء الثورة، ثم سرعان ما اتسعت رقعة الأحداث لتشمل 14 ولاية، ووصلت إلى الضواحي الفقيرة والصعبة المحيطة بالعاصمة التونسية.


حبس التونسيون أنفاسهم، عندما ازدادت الحالة تعقيداً، حيث خرج آلاف من اللصوص من جحورهم، وشرعوا في نهب ممتلكات عامة وخاصة، مستعملين أقصى درجات العنف. ولم يقف المشهد عند ذلك، وإنما انضمت للحراك الاحتجاجي شبكة المهربين الذين تم التضييق عليهم في الفترة الأخيرة، فسخروا عشرات السيارات، بغرض توزيع الأموال على صنف من المخربين الخطرين. وبلغ الأمر ذروته، عندما دخلت المجموعات القريبة من تنظيم داعش، لتستفيد من هذا المناخ الملائم، لتوسيع دائرة الغضب والفوضى.

شعر الجميع بالخوف، رئيس الدولة، وأعضاء الحكومة، وعموم الطبقة السياسية، ورجال الأعمال، والأوساط الدبلوماسية، وأخذت الأسئلة المرعبة والمشحونة بالقلق تفرض نفسها على الجميع : إلى أين تسير تونس؟

عاد رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، مسرعاً من دافوس، بعد أن مرّ بباريس، وذكّر الجميع بأن “الديمقراطية الناشئة في خطر”. وأكد رئيس الجمهورية الثانية، الباجي قايد السبسي، على أن الدولة صامدة. واتهم رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، أطرافاً خارجيةً، لم يحدد هويتها، بالوقوف وراء عمليات التحريض والتخريب. وأخيراً، وجه الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، أصابع الاتهام مباشرة إلى دولة الإمارات، ما جعل وزارة الخارجية التونسية تسرع في إصدار بيان لاحتواء أزمة دبلوماسية محتملة مع الدولة الخليجية المهمة.

كانت الرسالة الأولى شديدة الوضوح. لم يعد المعطلون عن العمل مستعدين لمزيد من الصبر، بعد خمس سنوات من الوعود، من دون أن يتحقق الحد الأدنى منها. كما أن المناطق المهمشة التي ثارت ضد نظام بن علي بقيت مهمشةً، من دون تغيير يذكر. الحريات إنجاز عظيم، لكنها وحدها لا تشبع البطون الجائعة، ولا تعيد البسمة والأمل إلى جيل كامل ينتظر، منذ سنين، لحظة الولوج إلى مرحلة جديدة، يتوفر فيها الحد الأدنى من الكرامة والشغل. انتهت مرحلة المؤقت من دون أن تفضي إلى استقرار دائم.
في اللحظات الحرجة، تتوجه السهام نحو الحكومة، لتحميلها مسؤولية المأزق، وهو سلوك مفهوم في إطار اللعبة الديمقراطية. ما دمت قد قبلت بإدارة الشأن العام، عليك أن تتحمل النتائج. لهذا، ارتفعت أصواتٌ تنادي بحل الحكومة. وهناك من ذهب إلى أكثر من ذلك، فدعا إلى حل البرلمان وتنظيم انتخابات سابقةٍ لأوانها. ولا شك في أن هؤلاء لم يكفروا، ولم يخرجوا عن الصيغ الديمقراطية المعمول بها في أقدم الديمقراطيات الغربية. لكنْ، ما يجب التفكير فيه مسألتان.

تتعلق الأولى بمدى استعداد التونسيين حالياً للتوجه من جديد نحو صناديق الاقتراع؟ فبعد ثلاث انتخابات عامة، تراجعت نسبة المشاركة في الاقتراع العام، وبعد توالي ست حكومات بمعدل حكومة كل تسعة أشهر، يشعر المواطن بنوعٍ من الخيبة والقلق، وفقد تونسيون كثيرون الحماس في عموم الطبقة السياسية، الأمر الذي جعل احتمال مشاركة هؤلاء في الانتخابات المقبلة ضعيفاً.

ومن ناحية ثانية، لا خلاف حول الأداء المتعثر للحكومة. لكن، من ينكر أن التركة ثقيلة، وأن التحديات القائمة هي أكبر بكثير من حكومةٍ تعاني من اختلالات عديدة. تمر تونس بمنعرج خطير، وما لم يدرك الجميع أن الضرورة الآن تفرض التكاتف من أجل الحيلولة دون انهيار الدولة، سيكون المستقبل أكثر سوءاً، وأن الجميع، سواء المنخرطون في الائتلاف الحاكم أو الذين يقفون ضده، سيخرجون من معركة الصدام الدائرة حالياً خاسرين ومنهزمين. وليس في كل مرة تسلم الجرّة.