تابعنا في الأسابيع الأخيرة مظاهر أزمة داخل جماعة الإخوان المسلمين، أطراف الأزمة متعددة: القائم بأعمال المرشد العام، واللجنة الإدارية العليا للجماعة، وقيادات في التنظيم الدولي للجماعة، والمكتب الإداري للإخوان المصريين بالخارج، والمكاتب الإدارية بالمحافظات، وقيادات للجماعة في لندن.

تجلت مظاهر هذه الأزمة في بيانات وبيانات مضادة وقرارات وقرارات مضادة من هذه الأطراف، فالقائم بأعمال المرشد العام يصدر قرارًا بحل مكتب الإخوان في الخارج، وقيادات في لندن تعلن إعفاء المتحدث الإعلامي للجماعة من مهمته وتكليف آخر، ويستطرد القائم بأعمال المرشد العام بتحويل بعض قيادات مكتب الخارج واللجنة الإدارية العليا للتحقيق ووقفهم عن العمل، وتصدر عدة مكاتب إدارية بالمحافظات بيانات تؤيد فيها هذه القرارات، بينما تصدر مكاتب إدارية أخرى بيانات ترفض فيها القرارات وتعتبرها كأن لم تكن، وتصدر كذلك اللجنة الإدارية العليا بيانًا رافضًا للقرارات مؤكدة أن لها وحدها شرعية القيادة حتى وضع لائحة جديدة وإجراء انتخابات جديدة، ويصدر مكتب الخارج بيانًا مماثلًا يرفض فيه القرارات ويعلن استمراره في عمله، ونفهم من بيان اللجنة الإدارية العليا أن بعض أعضائها امتنعوا عن حضور اجتماعاتها تجاوبًا مع قرار القائم بأعمال المرشد وأن بعض أعضاء مكتب الخارج فعلوا مثلهم.

وبصرف النظر عن نسبة المؤيدين لهؤلاء وأولئك فلقد أصبحنا أمام انقسام داخل مؤسسات كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث .. الأمر الذي دفع بعض القيادات التاريخية للجماعة وبعض الشخصيات العامة إلى التدخل للتوفيق بين أطراف الأزمة.

تباينت الآراء حول سبب الخلاف، فقيل إنه حول أية هذه المكاتب والقيادات له شرعية صنع القرار والصلاحيات التي بيد كل فريق، وقيل بل حول أي مسارات العمل أجدى في مواجهة الانقلاب العسكري.

في تصوري أن كل هذه الأسباب المطروحة إن هي إلا أعراض للمشكلة وليست أصلًا لها، ومهما حاولنا علاج الأعراض دون علاج الأصل فإن الأمر سيظل مرشحًا لأزمات أخرى في المستقبل القريب والبعيد.

بيت القصيد في هذه الأزمة أن ثمة نمطين للتفكير داخل جماعة الإخوان المسلمين موجودين منذ فترة طويلة، غير أن حدث الانقلاب وما تلاه قد عمل على إبراز الفجوة بين النمطين رغم اتفاقهما على مجمل أفكار الجماعة ومبادئها وأهدافها.

النمط الأول: تقليدي في قناعاته وطريقته في الإدارة ووسائله العملية، شديد المحافظة يعتبر قناعاته وطريقته ووسائله ثوابت لا ينبغي أن تتغير، وإن سلَّم نظريًّا بأنها ليست ثوابت فإنه عمليًّا شديد البطء في مراجعة هذه القناعات والطرق والوسائل، ومن ثَم تبقى قناعاته وطرقه ووسائله مدة طويلة من الزمن دون أن يخرج خارج صندوقها، وهو صاحب موقف سلبي من دعوات المراجعة والتجديد، يرى في المراجعة مضيعة للوقت وتنظيرًا لا طائل من ورائه وفي التجديد هدمًا للثوابت، وبالتالي يرفض المراجعة والتجديد من منطلق الحرص الشديد على الجماعة وبدافع الخشية من الانحراف عما يراه ثوابت.

والنمط الثاني: متجدد غير تقليدي، يفرق بين الثوابت والمتغيرات، يراجع هذه المتغيرات في القناعات والطرق والوسائل على الدوام، ومن ثَم يخرج خارج صندوقها بين الحين والآخر لا يجد أدنى حرج في ذلك، المراجعة لديه ضرورة لتصحيح المسار والتأكد من سلامته، وبالتالي يرى في مراجعاته وتجديداته مستقبلًا مشرقًا للجماعة ويرفض التوقف عن ذلك مهما تكن الظروف، يفعل ذلك من منطلق الحرص الشديد على الجماعة وبدافع الخشية من تجمدها وتوقفها عن تحقيق أهدافها.

التباين بين النمطين مرده إلى اختلاف الثقافات والبيئات والخبرات والاستعدادات، وهو تباين موجود في كل تجمع بشري وفي كل تخصص علمي، حتى إننا نجد أصداء ذلك التباين بين مدرستين في علم التفسير هما مدرسة الأثر ومدرسة الرأي، وبين مدرستين في علم الفقه هما مدرسة الحديث ومدرسة الرأي.

كلا النمطين تحتاج إليه الجماعة، الأول يكبح جماح الثاني حتى لا يخرج عن إطار الثوابت، والثاني يحرك الأول ويستنفره حتى لا يقع في براثن الجمود، وتكمن المشكلة في أن يرفض أحدهما وجود الآخر أو أن يُخوّن أحدهما الآخر أو أن يحاول إقصاء الآخر أو الهيمنة بمفرده على قرار الجماعة وفي فقدان لغة الحوار بينهما.

لقد هيمن النمط الأول على الجماعة فترة من الزمن وشكّل العقل الجمعي لها وتوارى النمط الثاني وقلّ وجوده في مستويات القيادة المختلفة، ولم يكن أي من النمطين حكرًا على مستوى قيادي بعينه ولا على شريحة عمرية بعينها، بل توزع النمطان على القيادة والقاعدة وعلى الشيوخ والشباب، بعد ثورة يناير وبفعل التغيير بدأ النمط الثاني يزداد تدريجيًا، وبعد الانقلاب العسكري وبفعل الزلزلة التي صنعها أصبح النمط الأول محل اتهام في قدرته على تحقيق الأهداف، وصار النمط الثاني في زيادة مطّردة وتحول كثير من أصحاب النمط الأول تدريجيًا ليصبحوا من أصحاب النمط الثاني، حتى أصبح النمطان الآن كفرسي رهان داخل أروقة الجماعة في كل مستوياتها القيادية والتربوية، وإذا مددنا الخط على استقامته واستمر الانقلاب العسكري أكثر من ذلك فإن النمط الثاني مرشح لزيادة نسبته.

هذا – في تصوري – هو أصل المشكلة وما الأزمة الدائرة رحاها الآن إلا عَرَضًا من أعراض هذا الأصل، ومن ثم لن يُغني علاج العَرَض عن علاج أصل الداء، حتى وإن نجحنا في حل الأزمة الحالية فلن نكون بمنأًى عن أزمات أخرى نابعة من ذات الأصل.

إن الأمر جد خطير؛ فالجماعة تواجه الآن خطرًا خارجيًّا يتمثل في الانقلاب العسكري وخطرًا داخليًّا يتمثل في شبح الانقسام والانشقاق الذي هو أخطر من الخطر الخارجي.

في المقابل فإن أمام الجماعة فرصة تاريخية، يمكنها أن تحوِّل التهديد سالف الذكر إلى فرصة لتوحيد صفها وتجديد شبابها والخروج من الأزمة أقوى مما كانت إن هي اتبعت حزمة من الإجراءات والخطوات منها:

*تشكيل لجنة تقصي حقائق تراجع سياسات الجماعة في أعقاب ثورة يناير، للوقوف على الأخطاء التي أدت إلى وقوع الانقلاب العسكري على هذا النحو، وتراجع خطة سير الجماعة في هذه الفترة متخذة من ثوابت الجماعة ومنهج تغييرها المعتمد مقياسًا تزن به تصرفاتها في تلك الفترة لتثبت الصحيح منها وتنبه على مواطن الخطأ، وتراجع خطة سيرها منذ الانقلاب العسكري وحتى الآن وفق الثوابت نفسها والمنهج ذاته.

ولا يتذرع أحد بأن الوقت غير مناسب وأن الظروف غير مواتية، بل ينبغي البحث عن آلية لتنفيذ ذلك تناسب الوقت والظروف، كان ينبغي أن تتشكل هذه اللجنة عقب الانقلاب مباشرة حتى تقي الجماعة هذه الحالة من الارتباك أثناء المواجهة، فبغير تقييم الماضي لن نستطيع مواجهة الحاضر وسنتعثر في خطانا دون أن ننجح في تجاوز أزمة الانقلاب.

* دراسة إمكانيات الجماعة وإمكانيات خصمها والفرص والتهديدات التي من نصيب كل طرف، لتحدد الجماعة بعد ذلك ما الذي يمكنها أن تحققه في المستقبل القريب والبعيد وكيفية تحقيقه وما مسارات العمل التي ينبغي أن تسلكها نحو هذا الهدف .

* دوام الحوار البناء بين نمطي التفكير في كل المستويات للتقريب بين الآراء ومنع الانقسام والانشقاق، فلم يعد هناك مجال للتكتم، من حق أفراد الجماعة أن يجاهروا بآرائهم، ومن واجب القيادة أن تصارح وتكاشف.

* عمل لائحة جديدة تناسب المرحلة وتستوعب الجميع دون استثناء، تحوي خطوات دقيقة لممارسة فريضة الشورى بطريقة سليمة تمنع تأبيد أي أحد في مواقع القيادة وتكفل تداول المهام في كل مستويات الجماعة، وتفسح الطريق لمراجعة المسئولين ومحاسبتهم، وتحدد كيفية العمل في الظروف الطارئة.

لا يصح لجماعة بحجم الإخوان المسلمين أن تقف مكتوفة الأيدي لا تدري كيف تنتخب مسئوليها وتصنع قرارها في الظروف الأمنية الضاغطة، كما لا يصح أن نتخذ من الظرف الأمني ذريعة لوقف تنفيذ الشورى وإجراء الانتخابات، كما لا يليق أن نتخذ من الظروف تكأة لمنع الحوار والنقاش والدراسة والتقييم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست