بدأ فصل الشتاء وأصبحت بوادره ملموسة في نصف الكرة الشمالي، وقد شرع العديد من الأشخاص في التخطيط والاستعداد لقضاء الأجازات الشتوية الطويلة. فقد خطط البعض لقضاء الأجازة في منتجعات التزلج، وخطط البعض الآخر لقضائها بالقرب من أحد البحيرات. وقد فكر آخرون في زيارة الأقارب أو استضافة أحد اللقاءات من أجل جمع شمل العائلة في المنزل. ومع ذلك، فيمكن أن تتعرض جميع هذه الخطط والاستعدادات للتخريب نتيجة حدوث بعض التطورات غير المتوقعة. فعلى سبيل المثال، فيمكن أن تصاب بالتواء في الكاحل مما قد يتسبب في حرمانك من التمتع بالأجازة في أول يوم لك في منتجع التزلج، ويمكن أن تصاب بهبوط في درجة حرارة جسدك نتيجة سقوطك من القارب وأنت تبحر في أحد البحيرات.

يمكن أن يتسبب حادث مروري في إصابتك بالعجز لفترة طويلة من الوقت بينما تخطط للذهاب وزيارة الأقارب.

هناك أيضًا احتمالية أن يحترق العشاء الذي تُعده نتيجة بعض اللحظات من الغفلة وعدم الانتباه مما يضطرك لإلغاء هذا اللقاء الاجتماعي الذي كنت تنوي أن تقيمه. اختصارًا للأمر، فإنه يمكن لخططك واستعداداتك – والتي تعتقد أنها ستكون سببًا في سعادتك – أن تنتهي بالاضطرابات وخيبة الأمل نتيجة لبعض الحوادث المماثلة.

يمكنك أن تُجاري جميع هذه الاحتمالات بطريقة أو بأخرى، فيمكنك أن تنتظر حتى يُشفى كاحلك، أو أن تُصلح سيارتك، أو أن تطلب طعامًا من أحد المطاعم الخارجية إذا ما احترق عشاؤك.

ولكن ما العمل إذا ما كانت تلك الأشياء التي تسببت في إفساد مخططاتك الشتوية من النوعية التي لا يمكن إصلاحها؟ ماذا لو أن منزلك احترق، أو أن طفلك يعاني جراء أحد الحوادث وتوفي، أو أن شريكًا في الحياة قد غرق أمام عينيك؟

تلك المآسي غير الوارد حدوثها لدى العديد من البشر هي في الواقع شائعة الحدوث في العديد من الأماكن التي تقع على البحر المتوسط وبحر إيجة. يحاول هؤلاء الناس بكل بساطة إنقاذ حياتهم وحياة أسرهم على حد سواء، ويفقد الكثير منهم حياته أثناء محاولاته للفرار من القصف والنزاعات المسلحة. يسعى هؤلاء المهاجرون من شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى إعادة بناء حياتهم في مكان ما حيث يمكنهم الشعور بالأمان فيه، مكان خالٍ من القصف والنزاعات.

تقوم الأمم المتحدة أيضًا بإتمام الاستعدادات من أجل فصل الشتاء، ولكن الغرض الحقيقي من وراء هذه الاستعدادات هو إبقاء اللاجئين على قيد الحياة وذلك عوضًا عن الترفيه عنهم كمصدر من مصادر البهجة. تجعل الظروف الجوية في فصل الشتاء من الحياة داخل مخيمات اللاجئين أمرًا أصعب مما هو عليه في المعتاد، فالغالبية العظمى من هؤلاء البشر لا يمتلكون منازل لتحميهم من البرد أو حتى الوقود اللازم للتدفئة.

تُجهز في الكثير من الأحيان حزم من المساعدات الإنسانية للمهاجرين والتي تحتوي على حقائب النوم، والبطاطين، والمعاطف، والجوارب، والأحذية وأصناف أخرى من الملابس غير ذلك. وقد جُهزت أيضًا أماكن الإيواء الخاصة بهؤلاء اللاجئين. من المأمول أن يساهم برنامج المساعدات الشتوية هذا – الذي تبلغ ميزانيته مليار دولار – في مساعدة حوالي 2.5 مليون سوري و700 ألف عراقي.

أفادت التقارير الصادرة عن المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن حوالي 644 ألف شخص قد وصلوا إلى أوروبا عن طريق البحر، وأن ما يقرب من 15 مليون شخص قد شُردوا في الأردن، ولبنان، ومصر، والعراق، وسوريا.

تدعو الأمم المتحدة بعض الدول مثل تركيا، والأردن، وليبيا لحشد جميع مواردها من أجل إبقاء اللاجئين على قيد الحياة، ولنفرض أن هذه الخطة قد نجحت وأن هذه الدول تمكنت من استضافة اللاجئين هذا العام أو العام المقبل، وأن هذا أفضل شيء تستطيع أن تقدمه الأمم المتحدة في مواجهة ظروف الشتاء القاسية وذلك بغض النظر عن مدى استحالة هذا الأمر.

هل سيؤدي هذا الأمر بأي حال من الأحوال إلى انحسار مشكلة المهاجرين؟ أو هل ستُحل هذه المشكلة إذا ما تم الإبقاء على جميع المهاجرين داخل تركيا مع تخصيص مبالغ ضخمة لهذا الغرض من قبل الاتحاد الأوروبي وذلك بحسب الاقتراحات التي قُدمت؟

بالطبع لا.

يذكرنا النهج الذي تتبعه أوروبا فيما يخص مسألة المهاجرين بذلك الأسلوب الذي اتبعه نيفيل تشامبرلين رئيس وزراء بريطانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، فقد اعتقد تشامبرلين أن بإمكانه وقف الخطط التوسعية لألمانيا التي كان يحكمها هتلر آنذاك وذلك عن طريق اتباع “سياسة الاسترضاء” والتي أدت في نهاية المطاف لكوارث عديدة وذلك على الرغم من حسن النوايا الذي بدأت به هذه المسألة. لن تؤدي تلك التدابير – كتلك التي اتبعها تشامبرلين – الرامية لرفض المهاجرين – كتشييد الجدران أو استضافة تركيا لهم – إلى وضع حل نهائي لمسألة المهاجرين بل على العكس فإن مصيرها المحتوم هو الفشل.

لن يتوقف طوفان المهاجرين وذلك إذا ما استمر المصدر الحقيقي للمشكلة في الشرق الأوسط والذي يتمحور حول النزاعات وسياسات التدخل المسلح، سيستمر الصراع إذا لم يتم التعامل مع الجذور الحقيقية للمسألة والتي تتعلق بمشكلة غياب التثقيف.

واحدة من الأمور الضرورية والتي يجب أن يضعها السياسيون الأوروبيون في الاعتبار على الدوام أنه ليس هناك ملاذ أو مأوى آمن لأي شخص، فأي إنسان مهما كانت جنسيته سواء كان سوريًا، أو ألمانيًا، أو ليبيًا، أو فرنسيًا مُعرض لمواجهة الصعوبات في أية لحظة أيًا كانت المنطقة التي يعيش فيها.

الأمر في الواقع ليس له أية علاقة بمسألة أنك تعيش في بلد آمن ومزدهر (فكر فقط في عملية آنشلوش النازية والتي ضُمت بموجبها النمسا لألمانيا). يمكن لحياتك أن تنقلب رأسًا على عقب في أية لحظة نتيجة حدوث غزو ما ، أو عمليات إرهابية، أو أزمات اقتصادية أو كوارث طبيعية، وحتى لو قمت في الماضي بمد يد العون للعديد من الأشخاص من أجل مساعدتهم، فإنك ستظل معرضًا لأن تجد نفسك في محنة مماثلة لتلك التي حدثت لشخص ما في الماضي وينتهي بك المطاف آملًا في أن تجد من يساعدك ويمد لك يد العون.

لذلك – وبدلًا من الاعتماد على الموارد المالية فقط – فإنه يجب الاعتماد على أدوات أكثر أهمية مثل المحبة، والمودة، والتحلي بروح التضامن وذلك لحل أزمة اللاجئين في أوروبا، فالحب والتعاطف يمكن أن يتغلبوا على كل العقبات. تستحق الخطط التي وضعتها الأمم والمنظمات المشابهة لها من أجل اللاجئين كل التقدير والاحترام. ومع ذلك، فإنه من الضروري دخول الحب والتعاطف ضمن المعادلة الخاصة باللاجئين وأن يكون هذا مقدمًا على طلب المساعدات الإنسانية وذلك للقضاء على المصاعب والمتاعب.

يعتقد بعض السياسيين في الغرب أن “سوريا تقع بعيدًا تمامًا عنا، وليس هناك احتمالية لأن يؤثر ما يحدث هناك علينا”، وربما كان قرارهم في البدء بعمل الضربات الجوية مبنيًا على الافتراض القائل بأن القضاء على “عناصر الخطر” هو الحل لهذه المسألة. وقد انتهت الأحداث إلى ما هي عليه الآن نتيجة القرارات الخاطئة التي حرضت على البدء في تلك الحرب، ولو أن الأولوية قد أُعطيت منذ البداية للمبادرات السلمية والوساطات لما عاش العالم وبالأخص منطقة الشرق الأوسط في ذلك الرعب الذي يحيط بهم الآن وما كان على أوروبا مواجهة أزمة المهاجرين التي تواجهها الآن. دعونا لا ننسى أن الشعور بالمحبة تجاه الآخرين قادر على استحداث تلك الحلول الإنسانية والتي تدوم بشكل أطول عن تلك الحلول التي تتمحور حول إسقاط القنابل عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست