نشر فى : الثلاثاء 26 يناير 2016 - 10:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 يناير 2016 - 10:35 م

فى حين يشكو اللبنانيون من خواء الحياة السياسية فى وطنهم الصغير المحاصر بمناخات الحرب الأهلية العربية التى تكاد تنسينا العدو الإسرائيلى أو تشغلنا عنه، فإن الأشقاء العرب يحسدونهم على الحيوية السياسية التى يتمتعون بها.. وتتزاحم الفضائيات العربية ــ عادة ــ وهى تستفتى أو تستنطق «المراقبين» فى بيروت، وهم فى الأغلب الأعم من الصحفيين، حول لقاء بين«قطبين» أو تيارين أو حزبين سياسيين، ومدى تأثيره على معركة الرئاسة المنومة بقرار دولى ــ عربى منذ سنة ونصف السنة حتى إشعار آخر.


أبرز دلالة لهذا الاهتمام المبالغ فيه بالحياة السياسية (وتطوراتها) فى لبنان هو تشوق الإخوان العرب إلى حياة سياسية ما فى أقطارهم حتى لو كانت فولكلورية، كما فى بيروت، تنسيهم ولو للحظات، مآسى الحروب الأهلية التى تلتهم نيرانها حاضر بلادهم وتهدد مستقبل أهلها، بل ووجودهم فيها.
ذلك أنه على امتداد الوطن العربى فوق المساحة الهائلة بين اليمن والمغرب الأقصى يسود نوعان من الأصوات:
1 ــ أصوات الحكام ووزرائهم وأجهزة إعلامهم وهى تشهّر بحكام عرب آخرين.
2 ــ أو صدى التفجيرات، هادمة العمران وعمليات الاغتيال الجماعى والمصادمات الدموية بين القوات المسلحة للنظام والمعارضات المسلحة سواء «الوطنية» منها أو «الأممية»، مثل «داعش» و«النصرة» المتفرعة عن «القاعدة».
فى ما عدا ذلك وفى الفاصل بين هذه الأصوات يسود صمت عميق لا يخترقه إلا تشييع الجنازات وعويل المشيعات والمشيعين وصور التدمير العشوائى الذى يطال المؤسسات الرسمية والأملاك الخاصة ويحصد أعدادا متزايدة من الضحايا، رجالا ونساء وأطفالا.

***
وباستثناء تونس التى حاولت قوى العهد السابق بالشراكة مع «الإسلاميين» الذين انتبهوا إلى خطورة التورط فى تسلم السلطة فتراجعوا واكتفوا بشراكة قابلة للتعديل فى ظل تراجع الأحزاب الأخرى أو تشققها، فإن الشعوب فى سائر أقطار الوطن العربى تبدو وكأنها قد خرجت أو أُخرجت من الحلبة السياسية ليسود الفراغ ممثلا بالحزب الواحد الذى لا يعنى غير تفرد «الشخص» بالحكم وإن هو حاول تمويه هذا التفرد بجبهة سياسية تقام ــ بقراره ــ على عجل للتخفيف من حدة قراره بمصادرة الحياة السياسية.
هكذا تتبدى صورة ما كان يسمى «الوطن العربى» أشبه ببحيرة من دماء أبنائه، بينما تعبث بأمنه، وفى مختـلف الأرجاء، عصابات إرهابية هائلة التسليح ترفع الشعار الإسلامى، «القاعدة» بداية ثم «الدولة الإسلامية» «داعش» معززة بخليفتها العراقى، وبينهما العشرات من التنظيمات العسكرية المحلية العاملة لإسقاط هذا النظام أو ذاك فى المشرق أو المغرب (حتى لا ننسى ليبيا وما يجرى فيها ولها).
على هذا فلا حياة سياسية فى مختلف أرجاء الوطن العربى: اندثرت الأحزاب القومية واليسارية عموما، والشيوعية خاصة، ولحقت بها الأحزاب الوطنية التقليدية (الوفد فى مصر كنموذج، الأحزاب اللبنانية غير الطائفية) وبعثت من الماضى تنظيمات ومجموعات متطرفة تحمل الشعار الإسلامى كالإخوان المسلمين والمشتقات التى تموه الاسم وتحتفظ بالمضمون ذاته...
***
بالمقابل فإن التنظيمات أو التجمعات الشبابية التى استولدتها الانتفاضات الشعبية فى مصر خاصة، وفى تونس وأنحاء أخرى من الوطن العربى، والتى كان سلاحها فى التحرك والحشد وسائل التواصل الاجتماعى، قد عادت إلى الظل محبطة، أو متحوطة خوفا من المطاردة البوليسية التى لا تتردد عن اتهامها بالتآمر على النظام والعمل السرى لمصلحة الخارج.
تّم إقفال الشارع العربى، وبالدم أحيانا، خوفا من انتفاضات جديدة يستولدها عجز الأنظمة الجديدة التى صادرت الحكم باسمها وأحيانا بشعاراتها، وانزوى ثوار الميادين فى كنف اليأس، أو حزموا حقائبهم سعيا إلى الهجرة إلى بلاد ليست بلادهم حيث يمكنهم الاحتفاظ بلقب «ثوار المنفى»... والمنفى ليس مكانا محايدا، بل أن فيه أجهزة مخابرات أجنبية وجواسيس للنظام الذى صادر الانتفاضة.. وتدريجيا، يذهب الثوار إلى الصمت فى ظلال الخيبة ويطلقون العمل السياسى محتفظين بالذكريات المرة للانتفاضة التى عزّ عليها الانتصار.
ربما لهذا كله تكتسب «الحياة السياسية فى لبنان، وهى خاوية من أى مضمون تغييرى، وهجها الإعلامى، لأن الإعلام هو المصدر الأساس لوجودها واستمرارها، مع وعى الجميع أنها نوع من الفولكلور الردىء لا روح فيه ولا صلة له بالمستقبل، كما أنه مقطوع الصلة بالماضى، يوم أن كان فى لبنان (كما فى أقطار عربية أخرى) أحزاب سياسية ونقابات عمالية وتنظيمات طلابية..
وصحيح أن بعض هذه الأحزاب والتنظيمات كانت على صلة بمثيلاتها فى أقطار عربية، أو فروعا للحزب الواحد (البعث وحركة القوميين العرب أو الحركة الشيوعية) لكن ذلك جميعا قد اندثر ليستقر فى ذاكرة التاريخ... بل أن أولئك الحزبيين الذين كانوا بمجملهم «تقدميين» قد ضربهم اليأس فانقلب بعضهم على ما كانه مرتدا إلى طائفته أو مذهبه فى حين غادر الكثير منهم موقعه الوطنى والقومى، ليلتحق بـ«داعش» – أى «دولة الخلافة الإسلامية فى العراق والشام» انتقاما من ماضيه باغتيال مستقبله.
***
أما فى لبنان فإن معظم الأحزاب ــ أو أقواها، إذا ما شئنا الدقة ــ ذات منبت طائفى، تغذيها النكاية أو تأكيد الذات مقابل القوى الطائفية الأخرى، وهذا ينطبق على المسلمين والمسيحيين ( فحركة أمل و«حزب الله» من الشيعة بالمطلق، وتيار المستقبل فضلا عن تجمعات الإسلاميين المدنية هى للسنة، و«القوات اللبنانية» والكتائب والتيار العونى هى للموارنة.
الحزب التقدمى الاشتراكى للدروز، وإن ادعى الجميع أنهم «علمانيون»!! أو أنهم دعاة لعلمانية الدولة... وهو ادعاء سيثبت بطلانه مع التطرق ــ مثلا ــ إلى طائفة الرؤساء، أو إلى قانون الانتخابات أو إلى توزيع مواقع الفئة الأولى فى الإدارة الرسمية على الطوائف..
ومن اللافت أن تتحمس بعض الدول العربية، التى تحكم بالشعار الإسلامى، مرفوعا فوق سرايات الحكم فيها للأكثر تعصبا من القوى السياسية فى لبنان، مسيحية بالأساس، أو ذات توجه مذهبى، وبذريعة مواجهة خطر الاجتياح الإيرانى، وهى تقصد التنظيمات السياسية الشيعية، و«حزب الله» على وجه التحديد.
ومعروف أن توظيف الطائفية فى العمل السياسى «تقليد لبنانى عريق»، لأن النظام السياسى فى لبنان قائم على التوازنات الطائفية، والتى يتم توزيع الرئاسات الثلاث على أساسها، وكذلك الوزارات والمقاعد النيابية والإدارات العامة وصولا إلى «المياومين».
وبالتالى فلا يمكن أن يكون النظام السياسى فى لبنان نموذجا يحتذى فى بلاد كانت قد تجاوزت «الدين» ــ نظريا ــ عبر عقيدته من خلال أحزاب ينص برنامجها السياسى على العلمانية ومحاربة الطائفية أو المذهبية واستبعادها عن الشأن السياسى وبالتالى عن الحكم.
مع ذلك فإن معظم العرب «يحسدون» لبنان على الحيوية السياسية التى تملأ الصحف والإذاعات والشاشات مع أنها فى مضمونها لا تعكس أية حيوية، بل لعلها تفضح الخواء السياسى فيها، لأن اللغة «سياسية» أما المضمون فطائفى بحت... ولولا ذكريات الحرب الأهلية، بمراراتها الثقيلة لتسببت هذه «الحرية» الفالتة من أى عقال فى حرب أهلية جديدة.

***
إن الحياة السياسية فى لبنان نوع من الفولكلور، مثل الدبكة والتبولة والكبة النية، أما المؤثرات الفعلية فى صناعة الرؤساء والوزراء والنواب فمصدرها الأصلى هو «الخارج» مباشرة أو عبر سفاراته وممثليه الدبلوماسيين فى لبنان، مضافا إليها صوت الطرف العربى الأقوى فى هذه اللحظة...
وعلى هذا فلا حياة سياسية فى لبنان مهما علا ضجيج التصريحات وفصاحة البيانات والردود «الحربية».
وفى كل الحالات فإن لبنان ــ بنظامه السياسى الطوائفى ــ ليس هو النموذج المرتجى لمستقبل الحياة السياسة العربية، بشعارات التغيير المدوية والمعبرة عن الاحتياج الفعلى لتغيير جذرى يتجاوز الشكل إلى المضمون.
ولنتذكر دائما: «أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..»

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية