نشر فى : الثلاثاء 26 يناير 2016 - 10:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 يناير 2016 - 10:35 م

تلح علينا أحيانا الرغبة فى أن نعترف. نعترف بخطأ ارتكبناه أو خطيئة مارسناها. هذه الرغبة، فى حد ذاتها، ليست جديدة بين الرغبات، فالميل للاعتراف بين اثنين أو فى نطاق محدود موجود منذ القدم. الجديد هو هذا الإقبال الشديد على ممارسة الاعتراف العلنى، أى فى حضور جماعة أو على مرأى ومسمع من مئات وربما آلاف وملايين الناس.
***
يوميا نقرأ اعترافات على صفحات الفيسبوك والتويتر، ونشاهد مشاهير فى برامج كلام تليفزيونى يتنافسون على الإدلاء طوعيا باعترافات، بعضها يخدش الحياء أو الكرامة وأكثرها يقع تحت طائلة القانون لو جاء فى رواية أو عمل أدبى. هناك أيضا ما يعرف بسينما ومسلسلات الواقع وجلسات العلاج النفسى الجماعى. وقبل هذا وذاك أكوام من كتب ومقالات يتسابق مؤلفوها على سرد تفاصيل خاصة وشخصية جدا يجرى تصنيفها تحت عنوان أدب الاعترافات.
***
يحكون إنه فى الأزمنة القديمة كان الاعتراف يتم علنا أمام أهل العشيرة، ثم انتقلت هذه الممارسة إلى الكنائس فكانت تقام أمام المصلين قبل أن تصبح إجراء ثنائيا بين القس وطالب الاعتراف. كان القديس أوجستين من أشد المتحمسين للاعتراف الجماعى، بمعنى الاعتراف أمام جمهرة المصلين. قال فى عظة له، إن المغفرة تتطلب الاعتراف للآخرين ولا يكفيها الاعتراف سرا لله. كان هو نفسه نموذجا حين كتب ثلاثة عشر مجلدا بين عامى ٣٩٧ و٤٠٠ تحت عنوان «اعترافات». كان فيها صريحا للغاية وصادقا حسب رأى بعض النقاد والمؤرخين. كان يقول فى عظاته إن الخطأ الذى يرتكبه الإنسان ويبقيه سرا سوف يسرى فى جسده كالسم الذى يجرى فى العروق، كلاهما يتعين طرده من الجسم. وبعد قرون جاء جان جاك روسو، ليكتب تحت العنوان ذاته اعترافاته ولكن ليؤكد أن المجتمع يشارك فى مسئولية الخطأ الذى يرتكبه الإنسان.
***
أميل إلى اعتناق الرأى القائل بأن الاعتراف بخطأ أو خطيئة هو أحد الأعمدة الضرورية لاكتمال صحة الفرد النفسية.
يعرف كل منا مدى ثقل مسئولية حمل سر من الأسرار لفترة طويلة أو قصيرة. بل إن كثيرا من الأطفال والبسطاء من الكبار يكشفهم الارتباك إن نحن كلفناهم بسر ليكتمونه، فما الحال إذا كان هذا السر يتعلق بخطأ أو خطيئة. المسئولية هنا تصبح أكبر وأخطر.
الاعتراف يحرر الإنسان من عبء ثقيل إن لم يخلصه من سم أليم، حسب وصف القديس أوجستين، يخلصه من عذاب ضمير، وأحيانا يمثل لأطراف أخرى رسالة اعتذار عن خطأ ارتكبه الانسان فى حقهم. قيل أيضا فى حسنات الاعتراف أنه يمكن أن يخلق حميمية لم تكن موجودة فى العلاقة بين المعترف والجمهور المتلقى للاعتراف. أعرف بالتجربة والمتابعة عن علاقات حميمة بدرجات شتى نشأت بتأثير اعتراف إنسان أمام إنسان آخر. يحدث هذا فى كل مرة يعترف الطفل بارتكاب ذنب، فإن خلصت النوايا يسود لسلام بعد اعترافه وترفرف السعادة وتهدأ النفوس. يحدث أيضا فى المدرسة عندما يعترف تلميذ أمام زملائه بأنه مارس الغش فحصل على درجات أعلى مما حصلوا عليه، أو أنه مارس الوشاية مع مدرس الفصل أو ناظر المدرسة. بل يحدث كذلك حين يعترف الزوج طواعية وليس تحت القسر أو الانكشاف، فيستعيد البيت صفاءه وسعادته، وربما عاد الصفاء أكثر عمقا. أقول يعترف الزوج ولا أقول تعترف الزوجة، فالمرأة فى الغالب، وبخاصة الزوجة، وحسب رأى بعض علماء النفس لا تحب الاعتراف بأخطائها لعائلتها وإن كانت لا تمانع من ممارسة الاعتراف أمام من تختارهم من الأصدقاء وأحيانا الغرباء والقساوسة.
***
كثيرون يحذرون من سلبيات الاعتراف. يسود الظن بأن الناس لا تغفر بسهولة. بمعنى آخر قد يؤدى الاعتراف فى حالات معينة إلى فقدان علاقات وصداقات قديمة. يحتار الإنسان المخطئ بين صعوبة التعايش مع خطأ لم يعد يتحمله، والخوف من فقدان من يحبه أو خيبة أمل أهله وعشيرته. هناك من يعتقد أن استعادة علاقة حميمة أو الاقتراب الأوثق من شخص أو أشخاص نتيجة الاعتراف قد يشكل خطرا، باعتبار أن إقامة العلاقات الحميمة والمحافظة عليها عادة ما تتطلب ثمنا غاليا وتضحيات كبيرة من الطرفين.
***
نعرف من تجارب الحياة أن اعترافا قد يجر فى ركابه اعترافات آخرين ليست بالضرورة صادقة أو بريئة ولدينا نماذج عديدة فى موجة الاعترافات التليفزيونية. تكمن الخطورة هنا فى احتمال أن يتشجع الشباب المشاهد فيمارس الأخطاء التى يعترف بها المشاهير الذين يبالغون عادة فى تجميلها وإبراز محاسنها. هكذا تتحول الاعترافات إلى أداة لترويج الأخطاء والتقليل من أهمية عواقبها. يزيد من خطورة هذا النوع من الاعترافات حجم الكذب والمبالغة واستخدام الخيال لسرد روايات مصطنعة.
***
أتصور أن هناك صلة ما تربط بين موجة الاعترافات العلنية أو الجماعية وحاجة الشعوب المتزايدة إلى المشاركة. الناس فى كل مكان، وليس فقط فى بلدنا، تريد المشاركة. حاولت أن تشارك بالتظاهر والاعتصام. أقامت حفلات غناء بالميادين. انغمست حتى أذنيها فى الفيسبوك والتويتر، وهى الآن تحاول أن تشارك بالمشاطرة بأسرارها وأدق خصوصياتها. تريد أن يسمعها آخرون حتى لو كان ما تدلى به اعترافا بخطأ أو بخطيئة تؤاخذ عليهما. أتساءل، وأظن أن أغلبنا يتساءل، عن تفسير معقول لهذا القبول العام من جانب معظم الناس لطغيان الدولة فى كل مكان، فى أمريكا كما فى روسيا والصين والهند، على أسرار المواطنين من خلال الرقابة على جميع أدوات الاتصال. نعرف ونتأفف ولكن لا نعترض بشدة.
***
يلعب الكذب والخيال دورا كبيرا فى موجة الاعترافات العلنية الراهنة كما لعباه فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عصر ازدهار الاعترافات. وقتها خرجت إلى المكتبات مئات الكتب تحوى اعترافات لنساء أقمن علاقات مع رجال من طبقتهن. أعطت بعض هذه الاعترافات انطباعا بالصدق والأمانة، ويعتقد بعض مؤرخى الأدب، أنها أدت بكفاءة وظيفة النقد الاجتماعى لحال المجتمع الارستقراطى البريطانى. اعترافات أخرى استخدمت هذه المؤلفات الجادة والصادقة مظلة تختفى تحتها كتب عديدة قائمة على كثير من الكذب والخيال وبعضها بغرض التشهير.
***
كل منا لديه ما يخفيه، وكثيرون بيننا يتوقون إلى صدر حنون وكتوم يتسع لأسرارهم. السر إذا كان يخفى خطأ أو خطيئة يبقى سيفا مسلطا على عنق السلام النفسى للإنسان. الحل الوحيد هو الكشف عنه وتعريته بالاعتراف بالخطأ أو الخطيئة. الاحتفاظ بالسر مكتوما له خطورته وكذلك الاعتراف بالخطأ أو الخطيئة، ولكن تبقى الحقيقة واضحة وهى أن خطورة الاحتفاظ بالسر تظل مسلطة طول العمر، أما الخطورة الناجمة عن الاعتراف فوقتية وقابلة لتجاوزها والتغلب عليها، بل ونسيانها.