يعرف الطغاة جيدًا كيف يُمكن لهم استخدام أنبل الوسائل في أقذر الغايات، والعكس كذلك. لا مشكلة لدى هؤلاء أن يصلوا إلى أهدافهم، مهما كانت الطريقة، الوسيلة، والأدوات المساعدة لذلك. الكذب باسم الله، ثم النصب على خلقه، ثم الخداع لكل الحمقى الذين يحنون ظهورهم ليصعد الفرعون إلى الأعلى أكثر، ثلاثية لا تُخطئها عين طاغية غزير اللحية حليق الضمير، والإنسانية!

في لحظات العبودية الممتهنة، تلك التي يورّثها الوضيع إلى من بعده، يجدُ السيد عبدَه أكثر طاعة مما يجب، لا يقوم بالأعمال المكلّف بها فقط، بل يتطوع من تلقاء نفسه بأكثر مما يتوقع سيده. لا يكافئه، ولا يهتم العبد بذلك، لأنه يجد أن كل ما يقوم به له مسمّيات أخرى تُريح ضميره الميت. يتعلم الطغاة من هؤلاء تَعبيد الناس لهم، ويمنحونهم بعض القُربى المزيّفة، كما يفعل الشيطان بابن آدم حين يتعلمُ منه ما يُغوي به الآخرين، ثم يجعلُه قريبًا منه في جهنم، حيث القصاص.

الإمامُ، يختطف المنبر الذي ما قال في التاريخ إلا الحق ليقول منه الباطل. يُخبر الناس كل جمعةٍ أن الله قد استخلف حركته على الأرض، وجعل منها قادة ربانيين، ووزراء، ووكلاء وزارات، وبضعة مئات من المدراء العامّين بفئات نصبهم المختلفة. وعلى استحياء يأتي ذكر “الشهداء” لإكمال ديباجة الكذب، لأن الدين هو الوسيلة الشريفة الوحيدة التي يستخدمونها لأجل غاياتهم القذرة. أيها العِلْجُ المُلتحي: إن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، واللهُ يعطي الدنيا لمن أحبّ ولمن لا يحب، ولكنه أقسم بعزته وجلاله أن سينصر المظلوم ولو بعد حين، بعد تسع سنين تتلوها عاشرة الخراب، بعد حسمٍ، بعد دهرٍ مات الناس فيه جوعاً/ضريبة، بعد حربين، أو ثلاثة، أو أكثر. حرّم العدلُ الظلمَ على نفسه، وجعلتموه بين الناس فرضًا. أيها الزنديق: ما فائدة أن تعِظ الناس قبيل الصلاة بسد الفُرج كي لا يأتي منها الشيطان إلى قلوبهم، وإبليس هو الذي يؤمّهم في المحراب!

الكائن المثقف، شُعوريّ الوجدان، وصاحب أكبر مكتبة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يهمّك ما قاله نيتشه، غوته، راسيل، وشلّة الحمقى الذين تنظّر على الناس بأحفوراتهم التي تعتبرها حِكمًا كالتي تشبه حافرك، وتحفظ كثيرًا من قصاصات الروايات ومواعظ الثقافة الديكورية! ثرثار، كمذياعٍ من أيام الستينات، أحمق، تظن نفسك “أبو العرّيف” وأنتَ لا تنفك تستعين بالشيخ جوجل لإثبات أنك ذو ياقة طويلة تمنع الناس من رؤية قفاك الأصلع.

المثقفُ، أيها المرتَزق الفكري، هو النّد، هو الضد الذي اعتبره ذوو الحرية يومًا «سلطة رابعة» يُمكنها إسقاط السلطات الثلاث، هو القلم في وجه البندقية، ينتصر الحبر وتطيش الرصاصة. كُفّ هراءك عن الورق الذي لا ذنب له سوى أن أحمق مثلك قطع شجرةً في غابات الأمازون ليصنع لكَ ورقاً تخربش عليه إسقاطاتك الفكرية، تلك التي لا تهمّ أحدًا سواك أنتَ وسيجارتك التي تلعنك. في مكان ما كان المثقفون طليعة ثورة، ورفاق الحرية، وفي مكان قذر كالذي أنتَ فيه تجتمع مع رفاقك في ذات المزبلة الفكرية التي تحسبها جنّة لأنك لا تعرف غيرها وطنًا.

النخبة، بائعو الوهم، منتفخو الريش، كديكٍ يصيح فقط حين ينتهك أحدًا “خُم” دجاجاته التي يعتبر أن مصيرها الذبح في النهاية، لا هو دافع عنها ولا منع عنها الذبح. المهم أن تبقوا ديوكاً “تمعط” الحكومة أُذن أحدكم، ليصمت. وهْمُ الصفوة، الذي جعلكم تنغلقون على أنفسكم وتصعدون جبلاً ترون منه الناس صغارًا، لا يدوم، إنه ليس «فيري» يا حضرات الأشياء الجامدة. مطية الحكومات أنتم وإكسسوارها اللازمة حين يكون حراككم على ناصية ورشة عمل، ندوة فكرية، مؤتمر للكذب، أو ملتقى مخملي. مستلزمات تجميلية تافهة لوجوهكم/برستيجكم ككومة الأشياء التي تتجادلون فيها كل مساء على نواصي مقاهيكم التي لا يرتادها أحد إلا السفلة ببزاتهم الأنيقة وكلامهم الممجوج. ذات الجبل الذي ترون منه الناس بالمجهر، يراكم الناس عليه كذلك. معادلة الحياة، ولعنة البساطة التي تلاحقكم.

الشاعر السمج، يكتب عن الحب والخيال ومرثيات الوجع المدفون في قلبه إثر محادثة هاتفية أخيرة. لا يكون الشاعر شاعرًا حين تصطف الأبيات بجانب بعضها لتشكّل هلامًا اسمه قصيدة. البنّاء يفعل أكثر من ذلك بالمدن، ويموت الناس داخل البيوت ولا يدري عنهم أحد! وحدها القصائد التي لا ترضى عنها الحكومة وتغضب الذات المقدسّة لديهم والآلهة المصغرة في دواخلهم هي التي يحفظها الناس كنشيدٍ عميق يجلس معهم على موائد الطعام البسيطة، يقتات من وجعهم ويلعن قاتلهم/خاطفهم.

الناشط الأعور، يكتب عن الاحتلال والقمع والشهداء والاستيطان والحرية والموت للأعداء، وينسى أولئك الذين يمنحون الشرعية للمحتل في بقائه، وجبروته. في غضباتك الثورية المدجّنة، كمقاطعة بضائع المحتل مثلاً، كان المواطن الذي يشتري ما يصنعه عدوه هدفك القاتل، وكان الذين يحمون بضاعة المحتل بلحىً نجسة فوق مرمى الهدف بقليل، أولئك الذين «فوق مستوى الشبهة» كما تقول الحكمة البشرية التي لقنوّك إياها قبل أن ترعى تِبنًا في حقولهم. تقول جدتي «الحكومة يهود» واليهود ليسوا كذلك، لا يفعل اليهودي بابن دينه/وطنه ما يفعله هؤلاء اللقطاء بنا.

على ضفتي الوطن الهلامي في مملكتي رام الله وغزة، ثمة يهود ألعن من اليهود أنفسهم. تحسّس جيدًا عينك الأخرى، لا تكن أعمى باختيارك، وتوقف عن الكربلائيات السمجة لأن نُواحك يشبه كثيرًا ما يفعلْنَه النّسوة المستأجرات في بيوت العزاء. حين يقتلك العدو مرّة، فهؤلاء يقتلونك ألف مرة. نصفُ الكذب الذي تُخبر الناس به ليس صدقًا، وإن أوهموك بعكس ذلك أيها المقاتل الإنترنتي الكاذب!

الكاتب/الصحفي اللزج، كسوائل النفط في ممالك القش التي يحتمي بها قادة هذا البلد المُسخ، تُخبر الجميع أن المشكلة في كل شيء، إلا أولئك الذين يسلم قلمك منهم. في هوامش الحرية لدى الطغاة العرب، كان لزملائك من مُتعهدي حبر الحكومة أن ينتقدوا أداء البلدية دون رئيسها، وأداء المحافظة دون محافظها، وأداء الحكومة دون رئيس وزرائها، كان لهم الرضا وبعض الغضب، وبقية حبرٍ يكتبون فيه في اليوم الثاني. حين تحاول قولبة الحقيقة وفق مزاجات الذين تعمل لديهم في إمبراطورية الموز التي نعيش فيها، تأكد تمامًا من أنّ الحقيقة تأتي دومًا عارية، وأن مهمتك التي أوكلوها لك هي “تغطيتها” صحفيًّا/إخباريًّا!

التاجر الفاجر، صديق الحكومة أيًّا كانت. على وضعية “الصامت” طول عمره طالما أن جيبه دائمًا “رجّاج”، يمنح الشرعية المالية للمستكبرين في الأرض، ويشفط دم الضعفاء حتى ترضى الحكومة أكثر. حين تتساوى فُرص الحياة والموت لدى الفقراء ستعلم جيدًا أن الذين وعدوك بالحماية سيتخلون عنك. وحدها الثورات تبدأ بشنق الأثرياء الذين لولاهم لما كبرت الحكومة، ولا بات كرشها ثقيلا.

العبيد الأنيقون، ذوي نظرية «الله يولّيها للصالح»، الساكت عن الظلم بعدما ابتلعت الحكومة لسانه، المتحسس مكان قلمه حين يريد أن يكتب شيئًا يُرضي الجميع ولا يغضب أحداً إلا الله. السير بجانب حقول الألغام التي تزعم أنك ماهرٌ في اجتيازها هو المرادف العصري للسُّخرة التي كان أجدادك يعملون فيها. الدعاء الصاعد إلى الله بتولية الصالح، المحفوف بالخوف والحياد الكاذب، لا يتقبّله الله، لأنه حين ولدتكَ أمك خلقَك حُرًّا، واخترتَ العبودية لغيرِه، وما كان لعبدٍ يخدم غيرَ سيدِه أن يسأل سيده، فيُجيبَه! الخوفُ يسكنكم أولَ حياتكم، وآخرها، وكل جسدٍ عاش على خوف، فالحتفُ أولى به.

رئيس المنظمة الخيرية التي تزرع الشر وترعاه، «أيُحبُّ أحَدكُم أنْ يأكُلَ لحمَ أخِيهِ مَيْتًا» وأنتم لم تكرهوه، أحببتموه، وعشْتُم عليه. راتبكُ ذو الخمس خانات ما زال في فمكَ بقايا منه وقد نهبْته على ظهور إخوتك المفترضين. سبوبة المعاناة تجعل تجارتكم رائجة، وسرقاتكم أكثر رواجًا، تلك التي تتقاسمونها مطلع كل “دعم” مع الأتقياء الأنقياء من أوصياء هذا الشعب، وكلاؤُنا الحصريّون للتسول في العالم، وحين أعلم أن الذين يعملون “لله” يتقاتلون على المناصب والرواتب والامتيازات والسيارات والسفريات فإني أوقن أن الشيطان يستحي من أفعالكم. لا يُتاجر إبليس بمعاناة صغار الشياطين مع البشر، وحدكم تفعلون ذلك رضًا لأسيادكم وإن زعمتم الخير يا وكلاء الشر الحصريين.

أما بعد،.

فإن الكاذبين الرسميين باسم الحكومة كُثر. كل أولئك الذين تزوجتْهُم الحكومة متعةً، ويرون فيها امرأة صالحة، إن كرهوا منها خلقًا أحبّوا آخر، ولا يعلمون أنها ستكفر بهم كُفران العشير، كغيرهم. تذكروا جيدًا الإمام، الكائن المثقف، النخبة التافهة، الشاعر المستأجر، الناشط الأعور، الكتاب والصحفيون اللزجون، التاجر الفاجر، العبيد الأنيقون، ورؤساء منظمات الشر. تذكروا كل هؤلاء بأسمائهم وعناوينهم، وغيرهم، من بقية أنواع المُرتزقة المتلونين حسب الغابة التي يعيشون فيها. كُلّهم، بلا استثناء، شُركاء الحكومة بنُسخَتيها القديمة والمحدّثة في جرائمها، وفي قتلكم. تذكروا أيضًا أن القصاص من كل هؤلاء واجب، والقصاص يأخذ من التاريخ درسه الأزلي أن هؤلاء يستحقون أقسى العقوبات، كما فعلوا بالشعب حين عاقبوه بالموت، أو شاركوا في موته، أو سكتوا حتى عن موته.

أما عن الحكومة ذاتها، شبّيحتها، مُرتزقتها، وغِلْمانها الأوفياء، فلن أقول عنها وعنهم أي شيء، بل يقول لهم «خوان رولفو» في رائعته «بيدرو بارامو»: لقد تمردنا ضد الحكومة وضدكم لأننا سئمنا تحكمكم بنا. الحكومة لأنها سافلة، وأنتم لأنكم لستم إلا جماعة من الأوغاد الشرهين اللصوص المترهلين بالدهن، ولن أقول شيئًا للسيدة الحكومة، لأننا سنقول لها بالرصاص كل ما نريد قوله.

سيكون خرابًا .. هذا الشعب لا بد له من درس في التخريب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست