في رحلة شاقة، تحفها المشكلات وكثير من المتاعب، مع اضطراب إنسان العصر الحالي المادي المحبط، وذاك العالم القاسي الذي تضيع فيه أرواحنا في خضم المسؤوليات والتقلبات والقلق من الحاضر والمستقبل، لكن في ظل كل ذلك المعترك يستطيع الإنسان أن يخلق عالمه الخاص داخل عوالم البؤس ومطحنته اليومية المعتادة، فقط بعالم من تفاصيلك الصغيرة التي تشكل منفذا إلى ذاتك التي تعرفها أو تحاول أن تتعرف عليها وتتصالح معها، ستجمعها أنت وتخلق بها عالم لايمكن لأحد أن ينتزعه منك أو يخترق خصوصيته.

ممكن أن نصف ذلك العالم بأنه خيال داخلي أو نشاط قليل لذاتك ومع نفسك ولو لبضع ساعات أسبوعيا أو بعض الدقائق يوميا، سيمثل ذلك بداية عودة لذاتك، ونقطة ارتكاز خاصة بك ترجع اليها قبل أن تعاود الغطس في ذلك الواقع الشرس والمتجدد، ولكي ننفذ إلى شكل العالم الخاص نوضح أمثلة ممكن تساعد كل منا على إيجاده لنفسه أو التمسك به، إن كان لديه منه بعض التفاصيل.

التمسك بهواية تحبها سيعيد لك شغف حياتك المملة!

ستبحث عن هواية تحبها لتستكمل فيها نشاطك وتجدد شيئا ما قد أهملته بسبب ظروف الحياة، أو الاهتمام غير المعروف عنك والذى ستداريه عن تطفل العائلة وتعنت ظروف العمل، فجد هوايتك واملأ حياتك بشغف متجدد، ولاتدع أحد يسلبك إياها؛ لأنها هي ما تبقى لك من حقيقة روحك المنهكة. ممكن أن تكون قراءة بنهم أو رياضة معينة أو تسلية تافهه لغيرك أو نشاط فني قد أهملته أو حب لشيء غير موضوعى وخيالى تجد لديك شغف على مزوالته، المهم أن تجد تلك الهواية وتجعل لها وقتا وسط زحام آلية حياتك ومسؤولياتك وروتين يومك!

 من منا بلا رغبة مكبوتة؟!

نعم. كلنا كبشر لدينا رغبات مكبوتة (المشروع منها اقصد) فأحيانا نشعر بفقدها وكثيرا ما نتمنى لو فعلنا كذا أو تصرفنا بجنون معين، وكثيرا ما نجهل أو نتناسى تلك الرغبات المكبوتة فتعود لنا نفسيا في صور معاناة نفسية أو ضغوط ومشكلات صحية أيضا، فمنا من يحب الرقص بشغف لكنه لم يحرك قدمه من فوق الكنبة يوما ليجرب أن يمارس ما يشاهده في  (التلفزيون) بل يتأمل حركات الراقصين في انطلاق ومرح وطاقة ولم يجرب مرة أن يفعل مثلهم ولو أمام مرآة في غرفته!  ومنا من يتمنى لو قام بالجري في الشارع مثلا دون مراعاة لوقار مار، أو انطلق للعب مثل الأطفال في مكان ما، أو قام بأي شيء يحبه ولا يريد أن يتقولب في جمود حياته دون أن يجرب ما يكبته ولو لمرة واحدة، فهل هذا كثير عليك أن تحاول أن تحققه ولو مع نفسك فقط فلنترك ذلك الكبت والنمطية التي لا نبرحها مطلقا ونحاول التجربة!

هناك أيضا أنواع من تفاصيل عالمك الخاص الذي يتوجب عليك صنعه في ظل كل ذلك الانهيار النفسي الذي نعانيه والذي نحتاج للتخلص من بعض أعبائه المذهلة والتي أرهقتنا وأعجزت أرواحنا، فعليكم باختبار إعادة خلق (تجربتكم الروحية).

التجربة الروحية الخاصة بك كفرد!

فكثيرا منا يصلي لمجرد الفرض، ويمارس طقوس دينية لا تبارح جوارحه إلى قلبه مطلقا، بل إنه ورث دينه أصلا من غير إرادة حقيقية منه، تقبله كما هو بعلاته ولم يحاول حتى أن يتعرف على ذلك الدين الذى يعتقده، لا أتكلم عن قراءة كتب في دين فحسب، بل عن تجربتك الروحية في الوصول للحق وفي اختيار النمط الديني الذي ينفع روحك للنجاة والتقرب إلى الله، فمنا من يعتبر أن طقوس العبادات هي أسهل الأشياء له، ويعتبر أنه بذلك أتى الدين من أطرافه متدينا ملتزما بحرفيته، ولكنه يفعل محرما ما أو حتى مباحا لايحبه الله لذلك الشخص، لأن ميوله الفردية لن تنصلح وترتقي روحيا إلاّ بترك ذلك الشيء، لكن المسكين يجهل ماعليه فعله ويفقد إحساسه  بصحة عبادته، ولايعلم أن ترك شىء لا يحبه الله له هو أحب من عبادته ليل نهار، لذلك عليك أن تختبر تجربتك الروحية بنفسك وتخطئ وتصيب وتجاهد نفسك وشرورها وتتقرب له من ألف طريق وليس من طريق واحد يوصلك إليه! فكل إنسان له خواص لا تنطبق على سواه وله تجربة حياة يختص بها وفق ظروفه وشخصيته وعقله وبيئته، والله لايحاسبك إلاّ فردا، فلذلك هو الحسيب العدل.

وبتلك المناسبة فماذا تقول عن تجربتك الروحية، هل وصلت لحقيقة واخترت طريقا له وشكلت إيمانك واعتقادك عن قناعة كأوائل من انتسبوا لدينك عن غير وراثة؟ وهل لو بحثت ووجدت دينك خاطئا أو محرفا أو مذهبك لا يناسبك  ستقوم بالتغيير؟ هل من الممكن أصلا لذهنك أن يحاول إعادة الاعتقاد بيقين بعد شك وبقناعة بعد وراثة؟ ولو وجدت دينك سليما فلم لا تبدأ بتنقية تجربتك الروحية مما علق بالدين من اعتقادات خاطئة أو تقليد وجمود أو حتى أخطاء يجب أن تعيد التفكير فيها، لعل الإحساس بالراحة بالجهل وموت شغفك بعبادتك واتكالك على الترديد والتقليد يريح بالك أكثرمن تجربة روحية ترهقك لكن ثق بأن الله لا يقبل إلا من آتاه بقلب سليم واعتقاد لاينتابه شرك!

المهم أن نبحث عن تفاصيل العالم الخاص بكل منا وممكن أن يكون من بين تلك التفاصيل مكان ما تقصده تنفذ فيه إلى عقلك وتتأمل حياتك وتعيد بناء قراءتك للأمور وسياق قرارتك ممكن أن يكون مكانا للذكريات والترويح عن نفسك الكالة وفسحة لوجدانك بين صور قديمة أو حب مضى أو مكان تحبه بعيدا عن أعين أي أحد سواك أنت، لتجدد حياتك أو تبقي عليها المهم أن تجد حضنا لذاتك التائهة بين مطحنة العصر وفوضى المجتمع ومسؤوليات العائلة والعمل والأخبار والشارع.

أخيرا يمكن أن تجد ذاتك في ذلك الشغف والهوايات والتجربة الروحية أو حضن ذكريات أو مكان بعيد عن الضوضاء أو شيء آخر تختاره بنفسك المهم أنه  يمكن أن تجدد طاقتك أو يكفي أن تحاول بذلك إعطاء نفسك فرصة للاستمرار والمثابرة كل يوم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست