وبالصدفة، حينما أتناول طعامًا أعتاد أن أشاهد فيلمًا وثائقيًّا بغض النظر عن موضوعه أو مجاله قررت أن أكتب في مربع البحث كلمة “أينشتاين” فضغطت على أول ناتج ولم أدر أن هذة الضغطة فتحت لي 100 دقيقة من المتعة والتشويق والرسائل العظيمة لعلها أهم 100 دقيقة وثائقية شاهدتها في حياتي.

عبقرية أينشتاين وفكرته الكبرى

ليس من أجل محتواها العلمي ولا من أجل أني حينما شاهدتها أصبحت أقرب قليلا من فكرة أينشتاين والتي مازلت لا أفهمها جيدًا إلى الآن وبالمناسبة لا أظن أنك تفهمها جيدًا أنت الآخر.

وليس من أجل أنه فيلم تحفيزي يشجعك على التعلم والمثابرة، وليس من أجل ما يحتويه من كل معاني الصبر والاجتهاد والإبداع والتفكير ومقاومة الإحباط والفشل والمعوقات وأن هناك البعض من يقوم بتحويل حياته بكل تفاصيلها ومواقفها إلى معمل كبير لشغفه بهذا العلم أو ذاك وكيف أن منهم من عرض حياته للخطر فقط من أجل متعة العلم والتعلم وأن يكون ذا نفع للبشرية.

إذًا ما هي الرسالة الأهم التي يمكن أن تصل إلينا من هذا الفيلم؟

إنها تصحح مفهومًا مغلوطًا عند الكثير ممن يحلم بأن يكون هو الذي فعل المستحيل ولا غيره، لا يوجد على مدى تاريخ البشرية من جاءنا بنتيجة نهائية سواء كان اختراعًا لدواء يعالج وباءً ولا اختراع لآلة تنقذ البشر من عناء ما ولا اكتشاف مادة إلا وقد بنى أبحاثه واختراعه على سلسلة كبيرة من العلماء قبله كل فرد منهم قد ساهم في زمانه ومكانه بترس صغير حتى ترى أنت هذة الآلة الضخمة اليوم التي تسميها دواءً أو اختراعًا أو اكتشافًا.

من أراد أن يخوض في مجال البحث العلمي وحده لن يصل، إن مجال البحث العلمي يسير الآن بسرعة تنافس سرعة الضوء – الذي كان يشغل بال أينشتاين بالمناسبة – الآن هو زمن الفرق البحثية والتي تختلف وظائف أعضائها وتخصصاتهم من أجل خدمة العلم والبشرية، العلم ليس مراده أن يخدم سيرة فلان أو أن يخلد اسمه بل إن فلان هو الذي يدخل حقل العلم مريدًا لخدمته ونفع البشرية، إذا كنت تقول أنك لا ترضى بأقل من أن أصل إلى نتيجة نهائية تخلد اسمي عبر التاريخ كأن أخترع دواء يقضي على السرطان، أو أن أقوم باختراع آلة لم يوجد لها مثيل في تاريخ البشرية وأُخلد بها في كتب التاريخ والعلوم، إما هذا وإما لا!

أقول لك وفر على نفسك طريقًا طويلاً أنت لا تعلم عن عقباته شيئا، أريد أن أخبرك أنك يمكن أن تقضي السنين الطويلة في خدمة بحث ما يبحث في نقطة ما من العلم وبعد عشر سنين من البحث يمكن أن تجد نتائجك خاطئة أو ضعيفة الأدلة والبراهين كي يتم نشرها والاعتراف بها حينها سيظهر دور هدفك الأصلي من الخوض في مجال البحث أهو خدمة العلم والتخفيف من عناء وآلام البشر أم هو مجرد الشهرة والتخليد وعلى أساسه ستحدد مصيرك أتستمر وتصلح العيوب ولو أخذ هذا من وقتك عشر سنين أخرى أم تستسلم!

حتى إن كانت نتائجك ضعيفة فهناك من بعدك من سيأتي ليستخدمها  كي يصل إلى نتيجة أقرب إلى الصواب ويأتي من بعده آخر وهكذا حتى يأتي من يضع اللبنة النهائية في هذا البنيان الذي أنت كنت مجرد لبنة فيه هذا عند الله عظيم وعند العلم عظيم ولكن يمكن ألا يشبع رغباتك الشخصية في الشهرة والصيت!

أترضى بأن تكون حلقة صغيرة في هذه السلسلة التي ستصل حتمًا يومًا ما إلى نتيجة تخفف من عناء البشر إن كنت ترضى فخض تلك التجربة الشيقة الممتعة الصعبة العنيدة، وإلا …

إن الغايات الكبرى هي ما تعطيك الحماس والطاقة لتواصل. لا تجعل غاياتك شخصية أنانية ولكن اجعلها مرتبطة بالخدمة العامة وتخفيف آلام الناس حينها لن يهدأ لك بال حتى تخفف من عنائهم وآلامهم وستكون سعادتك في هذا فعلاً وفي النهاية كل هذه الغايات والأغراض تنبع من نوايا خالصة لله تبتغي ثوابه ورضاه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست