بدايًة، كنتُ ممن أشادوا بتجربة باسم يوسف منذ ظهوره الأول على اليوتيوب، على مستوى صناعة الفرصة وتوظيف طاقته فيما يُحسن، مرورًا بتطوير الفكرة، وصولاً إلى نجاحه في تلبية احتياجات الجمهور، وبناء علاقة طيبة بكتلة جماهيرية صلبة، فينتظره أسبوعيًا الشيوخ والشباب، المُثقف والأميّ، النخبة والجمهور، بشغف كبير!

ولكن لا بأسَ بقليلٍ من النقد لتلك التجربة، خاصًة مع تضخم رمزيته مؤخرًا تحديدًا، لنرى إذن إن كان يستحِقُهَا فعلاً!

لكل رسالة أدوات، والوعي رسالة، له منصة وأداة، والفكاهة إحدى أدواته، والسخرية السياسية حيوية فاعلة، شريطة أن تكون مسئولة!

بمعنى؛ أن يعي الإعلامي، أو بالأحرى الذي يُصيغ هذا الخطاب الساخر، ويُعّد تلك المادة الخصبة فيسوقَها للجمهور، أبعاد طرحه، وتبعات ما يُقدمه، إلخ..

باسم تمتع بمجانية الحرية التي عاش أجواءها، واختفى حين تحولت إلى معركة طاحنة، لم يحترم فيها حق الجمهور في الظهور والاستمرار مجددًا بعد توقف ما بعد مرسي والإخوان، ولا أمانة الكلمة ومسئولية المادة الساخرة كأداة من أدوات تشكيل الوعى الجماهيري، ولا أي شيء، فقط اختفى ولعب دور الضحية!

نعم أوقفه النظام، أو أحد أذرع النظام (الإعلامية) لكنه لم يُعاند ولم يُكلف نفسه عناء البحث عن البديل!

لم يُنتج ويعرض مادته من اليوتيوب مثلاً كما بدأ مشواره سابقـًا، فلا أظنه يغفل أن الواعي برسالتهِ، صاحب الهم المُتأصل، والذي وهبَ نفسهُ للعمل العام، لا يُعدم الوسيلة.

تابعتُ ظهوره الأخير ضيفًا على الإعلامية “وفاء الكيلاني” في برنامجها “المتاهة”، وهو ما دفعني حقيقًة للتعليق على الحلقة بما أنها تقريبًا ناقشت أبرز ما يُتناول ويُؤكده باسم نفسه مرارًا في كل ظهور، ويتناقله عنه متابعوه.

نعم قد تكون ملاحظات مُبعثرة لا رابط بينها، إلا أنها تكشفُ عن فجوة واسعة في تكوينه لم يستطع مواراتها! ومحاولة تحليلية أمارسُ بها حقي كمتابع لأحد رواد العمل العام وأحد أكثر الإعلاميين نفوذًا وتأثيرًا في الجمهور.

تقودني – فيما أعتقد- لتقييم مُنصِف لشخص باسم بتجرد شديد.

في مضمون جوابه حول ما إذا كان بطبعه يتصيد الأخطاء، بدأ حواره ببيان هزيل حولَ داعي السخرية والغرض منها، أنها – فيما معناه- تأتي في سياق التعليق على حدث أو موقف معين، أو السخرية!

جوابُ لا يَنُم عن إدراكه لطبيعة الرسالة التي يتبناها، فليس الدافع تشكيل الوعي العام مثلاً، الوعي السياسي، وأخيرًا الوعي المجتمعي.

وإنما السخرية، مجرد تعليق، أي لا هم له يستميت من أجله!
إجابة جوفاء باردة لا روحَ فيها، وليست مُحفزة للتفاعل معها مُطلقـًا، ومن سيئ لأسوأ، في جوابه عن سؤال المذيعة عما تنازل باسم يوسف؟
ليُجيب بأنه تنازل عن “راحة البال” إذ إن الذى يَشَتَغِلُ بالعمل العام عليه أن يتنازل عن راحة باله، أو جزء منها، وتنازل أيضًا عن الحماية التي يوفرها له بعده عن المجال العام.

تناقض جديد هنا، إذ كيف له أن ينفي عن نفسه المسئولية، وأنه ليس ثوريًا، وعلى الناس ألا تتخذه قدوة، إلخ..

وهو ينسب نفسه للعمل العام (المسئول صاحبه) بداهًة، وعليه التزامات بالتبعية؟!

وأما عن الأمان الحقيقي الذي ضحى به، فهو فعليًا، لم يُقدم ما قد يُهدد آمنه كغيره في الوسط ذاته، هو لم يُعاند ولم يُجازف، وهو ما قد يُعدُ مقبولاً لدى قطاع واسع من جمهوره، ولا أقبله شخصيًا بأية حال!

ولعله هنا ذكرني بموقف الإمام “أحمد بن حنبل” في فتنة القول بخلق القرآن حين صمد تحت كل صنوف التهديدات والتي آثر معها غيرهُ من الدعاة السلامة وراحة البال، وصمد مع “محمد بن نوح” أحد الدعاة الشباب في ذلك الوقت، حين بالغ في العناد وأمر به المأمون ليستجوبه بنفسه في بغداد، اقتادوهم مُقيدينَ بالحديد، إلى أن قابلهُ أعرابي في الطريق لينصحهُ بكلمات قال فيها الإمام أحمد، أن كلامه كان مما يُقوي عزمي، نصحه فقال: يا هذا إنك وافدُ الناس “مندوب” فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأسُ الناسِ اليوم، فإياكَ أن تُجيبهم إلى ما يدعونك إليه، إذا أجبت سيجيب الناس فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تُقتل، وإنك إن لم تُقتل، تموت! وإن عشتَ، عشتَ حميدًا.

الشاهد من الموقف، أنه حينما تحدثُ الفتن والاضطرابات، قد يكون مقبولاً من عموم الناس غير المعروفين أن يتجنبوها، أو أن يسلكوا اتجاهات رمادية، وبعضهم يختفي ليُناور ويعود مُجددًا في ثوبٍ آخر، لكنه ليسَ مقبولاً من ذوي النفوذ والتأثير، وأصحاب الكلمة المسموعة لدى الناس أن يتجنبوها.

لم يتوقف عن إبهاري ليذكر أنه عُرِض عليه تقديم البرنامج من أوروبا وأمريكا، لكنه رفض معلقاً أن: “البرنامج ينتمي لمصر، (لو ما اتصورش في مصر  مش هصوره!)”

يفتقد إذن للمرونة في التعاطي مع الظرف، وتغيير المسارات وفقـًا للظرف الجديد بما لا يُخل بجوهر الرسالة! وفي تعليقه على التجاوزات والألفاظ الخارجة، أبدى تعجبه من تلك النظرة بأن مادته تستوعب الإباحة، أكثر منها إيحاءات، والإيحاءات موجودة في الكوميديا المصرية مذ وعينا عليها!

نعم هي موجودة فعلاً لكنها تُخالف العرف العام، وما يُعد في العرف من البذاءة فهو منها.

تذكرتُ سريعًا رأي لأحد المخرجين حين سُئل عن احتواء أفلامه على مشاهد ساخنة، ليُعلق بأنه يُعالج مشكلات اجتماعية، وينقل واقع موجود!يجهل هو الآخر أو يتجاهل أن هناك ما يُسمى بالمعالجة السليمة للفكرة، ومراعاة البُعد الأخلاقي في المعالجة.

وأخيرًا أتحفنا “بأن الجيش زيه زي الدين، ما يخشش في السياسة”

باسم مسلم، بالتأكيد قرأ يومًا ما في سيرة النبي “عليه الصلاة والسلام”، ويعلم أن السياسة جزء أصيل من الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مارس السياسة منذ مهد الدعوة من المسجد، أرسل الوفود واستقبل مبعوثي الدول المختلفة، وأدار شئون الدولة من داخل المسجد، وكان مقرًا للدولة في الإسلام!

لكن مرفوض طبعًا أن يُستغل الدين في العراك السياسي لغرضٍ خبيث، وهو ما لم يذكره في حديثه.

باسم عبقري، مجتهد، موهوب، ناجح وأتمنى فعلاً أن يظهر بديل مسئول له، لكن لا يقع في تلك التناقضات والمغالطات إلا مراهق ما تزال تلازمه صفات المراهقة وسلوكياتها، يُعانى من مراهقة فكرية تدفعه لأن يُحقق ذاته دون التدقيق في سلوكه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست