يجمع الخوف من يوم 25 يناير المقبل بين النظام ومعارضيه، فحتى المعارضون أنفسهم يخشون أن ينقلب السحر على الساحر، وتؤول الأمور يومها لغيرهم. أما النظام، فيجمع جمعه وعتاده للتخلص من كابوس 25 يناير المؤرق كل عام بنفس الأسلوب؛ عتاد عسكري وإعلامي كذلك. كل عام، وبحلول شهر ديسمبر المبشّر بانتهاء عامٍ طويل، تدق طبول “الثورة” عبر أبواقٍ إعلامية خارجية متأهبة لإسقاط النظام وداخلية مرتعبة من سطوة نفس النظام. ترجع الحكاية إلى يوم 25 يناير 2012، الذكرى الأولى للثورة المجيدة، والذي شهد تظاهرات كبرى واحتشادات ضخمة ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لم يرحل على إثرها كما رحل سابقه “مبارك”.

ومع حلول يوم 25 يناير 2013، الذكرى الثانية للثورة المجيدة، نزلت جموع الشعب معبرةً عن غضبها من حكم “الإخوان”، ولكن لم يجد جديد، وبقى “مرسي” في الحكم حتى خمسة أشهرٍ لاحقة. ومع رحيل مرسي، وفي عهد الرئيس المؤقت “عدلي منصور”، لم يظهر التحرير بنفس حلته وسطوته في 25 يناير 2014، في ظل سطوة أمنية ورضا شعبي “مؤقت” عن النظام الحاكم. انعدمت التجمعات البشرية المعارضة في 25 يناير 2015، وكأن التحرير رفض المعارضين، أو أن المعارضين أنفسهم لم يعرفوا الطريق إلى التحرير.

العجيب في الأمر أن من يريد الخروج على نظام حاكم وإسقاطه، كما حدث مع مبارك، يختار هذا اليوم تحديدًا لفعل ذلك، وكأن الثورة أمر مُدبّر له مسبقًا، وهو ما يتنافى مع فجائية الحدث وعفويته. لم تكن ثورة 25 يناير الأصلية مخططا لها على الإطلاق، على الرغم من علم الثوار والنظام على حدٍ سواء بوجود تظاهرات في الشوارع في ذلك التاريخ، ولكن الفجائية والعفوية فرضت نفسها تدريجيًّا على كلا الطرفين. أتساءل هنا، والسؤال يفرض نفسه، هل يتوقع البعض، ولو لبرهة، نزول نفس العدد من الناس بالصورة الكافية لزعزعة نظام؟

للإجابة على سؤالٍ كهذا، علينا أولًا أن نكشف عن المشاركين الناوين الراغبين في المشاركة، الإخوان المسلمون؟ 6 أبريل؟ شباب ثورة 25 يناير؟ غيرهم؟ كل تلك الأطراف إما في غياهب السجون وإما لفظهم الشعب، أو أغلبه على الأقل. فلنفرض مثلًا أن الشعب اجتمعت جموعه على الخروج على الحاكم في ذلك اليوم تحديدًا، ولا أدرى لمَ 25 يناير بالذات، ولكن ما إن يحدث ذلك، فماذا بعد؟

هل يمتلك الثوار الأشاوس جدولًا وأجندة وخارطة طريق تُنفذ بعد إسقاط النظام؟ أم يريدون إعادة تجربة ما بعد 11 فبراير المؤسفة؟ تخبط وشجار وتعرقل قضى على الثورة في مهدها، هل الحالمون الآن بثورةٍ جديدة جاهزون لتجنب نفس المقلب؟

السؤال الأصعب هنا، لو كانت هناك خطة بالفعل، هل البديل المناسب متوافر ولو مؤقتًا؟ لا أحد ينكر أن مصر عانت على مدار العقود الأربعة الأخيرة حالة تجريفٍ سياسي شديد، شهدت فيها الحياة السياسية اختفاءً “قسريًّا” للكوادر البرلمانية والرئاسية الناجحة. منذ متى كنا نرى منافسًا رئاسيًّا يُخاف انتصاره؟ منذ متى كنا نرى حزبًا سياسيًا يصّدر كوادر ناجحة للانتخابات الرئاسية المقبلة؟ منذ متى كنا نرى سياسيًّا كبيرًا تلتف حوله الجماهير وتجمع عليه؟

وعلى وزن المثل الشعبي “الجنة من غير ناس ما تنداس”، أعتقد أنه من الصواب أن نقول “ثورة من غير خارطة طريق ما تمشيش”. وإن قارننا حالنا بحال سابقينا وأصحاب السبق في الحالة الثورة العربية، تونس، نرى أن الأخيرة لم تسبقنا فقط في الحراك الثوري، بل في التخطيط السليم المعقول أيضًا، فبرحيل زين العابدين بن علي، الرئيس التونسي الهارب، أعلن “محمد الغنوشي”، الوزير الأول، نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد لحين انتخاب رئيس جديد، ثم خلفه في إدارة المرحلة الانتقالية “فؤاد المبزع”، رئيس مجلس النواب التونسي، وتوالت الإجراءات القانونية من كتابة دستور إلى انتخاب مجلس نواب حتى مجيء الرئيس التونسي الحالي “الباجي قائد السبسي”.

أما عن مصر، فدخلت في صراعات لا نهاية لها بين القوى المختلفة، منها الثورية، ومنها القائمة على أساس ديني، ومنها بقايا النظام السابق. وحتى تلك القوى كانت فيما بينها خلافات كبرى هي الأخرى، أدت إلى انشقاقات وتصدعات أزّمت العملية السياسية، مما أدى إلى سقوط أول نظامٍ منتخب بعد الثورة في 30 يونيو 2013.

كل ما يحتاجه الثوار أن يعيدوا ترتيب أوراقهم وينظروا إلى الأمام لا إلى ما أسفل أقدامهم، وأن يعملوا العقل قبل اللسان، هذا إن أرادوا إصلاحًا وفلاحًا. هذه فرضية لا تغلب عليها الروح الثورية ولا تنتقص من قدرة النظام الحالي على الاستمرار؛ هي مجرد فكرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست