في عالم يسود فيه الظلم ويغيب العدل، لا يوجد مستقبل

في عالم يزداد فيه الأغنياء غنى والفقراء فقرًا، لا يوجد مستقبل

في عالم يكون فيه من في السجن أشرف ممن خارجه، لا يوجد مستقبل

في عالم يكون فيه مستقبل الأنظمة أهم من مسقبل الشعوب، لا يوجد مستقبل

في عالم يكون فيه مخزون الأسلحة أكبر من مخزون طعام الشعوب، لا يوجد مستقبل

تحية للرائع

صلاح عبد الصبور

انتشرت في أعقاب 25 يناير 2011،  وسط عدد غير قليل من المحللين السياسيين المهمين، فكرة مؤداها أن المؤسسة العسكرية المصرية، كانت على استعداد لأن تتنازل عن مكانتها المتفردة على رأس منظومة الحكم المستمرة في مصر منذ 1952، سواء أمام انتفاضة يناير، أو أمام جماعة الإخوان المسلمين حتى لو جاءت بالانتخابات، أو أمام غيرها (جمال مبارك مثلًا)! مقابل الخروج الآمن!

خبرة يناير 1977

“افعلها في الشعب، ومتوريهوش أداتك”! ..  في 17 يناير 1977 أصدرت حكومة السادات مجموعة من القرارات الاقتصادية منها رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية، على إثرها اندلعت انتفاضة عارمة اجتاحت عموم الوطن، “انتفاضة الخبز” – أسماها السادات “انتفاضة الحرامية”! – بدأت المظاهرات في الجامعات والمصانع، وانضم الطلاب للعمال ومعهم الموظفون والكثير من فئات الشعب المصري في الشوارع والميادين في القاهرة والمحافظات يهتفون ضد النظام والقرارات الاقتصادية، وحدثت مظاهر عنف منها حرق أقسام الشرطة وأبنية الخدمات العامة، مظاهرات حاشدة تهتف ضد الجوع والفقر، رافعة شعارات منها:

ياساكنين القصور .. الفقرا عايشين في قبور
ياحاكمنا في عابدين فين الحق وفين الدين
سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه
عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال
هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة ف أوضة

استمرت الانتفاضة يومي 18 و 19 يناير وفي 19 يناير خرجت الصحف الثلاثة الكبرى في مصر تتحدث عن مخطط شيوعي لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم، وقامت الشرطة بإلقاء القبض على الكثير من النشطاء وزاد العنف في ذلك اليوم، ثم أعلن عن إلغاء القرارات الاقتصادية ونزل الجيش، وأعلنت حالة الطوارئ وحظر التجول، وتم الزج بالآلاف في السجون بتهم المشاركة بأحداث الشغب أو الانتماء لتنظيم شيوعي!

اكتنز النظام على إثرها خبرة تاريخية ثمينة، تمثلت في أن يفعل النظام ما يريد، دون أن يعلن عنه، هذا من ناحية، وأن لا تتم إجراءاته دفعة واحدة، من ناحية ثانية، هذه الخبرة التي مكنت النظام من الاستمرار من يناير 77 حتى يناير 2011 دون انتفاضات عارمة! بالرغم من أن الأسعار قد ارتفعت مئات الأضعاف عن تلك التي كانت عليها في 77، (على سبيل المثال في 77 كيلو اللحمة كان بجنيه واحد، ليرتفع في 2011 كيلو اللحمة باكثر من 700% دون انتفاضات عارمة!) .. هذا مجرد نموذج مبسط وشديد الوضوح لكيفية تعلم النظام للدرس واستخلاص النتائج والتعامل بدهاء معها، دهاء النظام العتيق! .. “افعلها في الشعب، ومتوريهوش أداتك”!
خبرة يناير2011

“النوبه دي بجد .. مش حنسيبها لحد”! هذا الشعار الذى ردده المتظاهرون في ميدان التحرير في الفترة التالية لـ 25 يناير 2011، أصبح وكأنه لسان حال المجلس العسكري! ردًّا على كل ما سبق على 25 يناير 2011 وكل ما تلاها من مخاطر محتملة، أما فيما سبق 25 يناير، وما كان من مرحلة التحضير لتوريث جمال مبارك – المدني – لحكم مصر، وما رافقه من تنامي نفوذ الداخلية، والقطاع الخاص – باعتبارهما جناحان مدنيان لازمان للوريث المدني المرتقب، فالشيء لزوم الشيء! – وأما ما تلى انتفاضة 25 يناير، من مطالب ثورية بدولة مدنية لا عسكرية ولا دينية، جاءت للمؤسسة العسكرية الفرصة التاريخية لتتخلص في ضربة واحدة من جميع التهديدات وإزاحتها كلها مجتمعة مرة واحدة، حيث تمت إزاحة الرئيس مبارك ومعه مشروع الوريث، وفي نفس الوقت قطع الطريق على انتفاضة 25 يناير، لإجهاض إمكانية حصول تغيير ثوري أعمق، على طريقة  “ضحِّ بالجنين علشان الأم تعيش”، و”عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم”، و”الضربة التي لا تقتل تقوي”، .. فكان لسان حال المجلس العسكري، “النوبه دى بجد .. مش حنسيبها لحد”!

“ادبح لها القطة في ليلة دخلتك”! المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمون، هما التنظيمان الوحيدان اللذان لديهما خبرة تنظيمية راسخة تشكلت على مدى عقود، وأيديولوجية محددة خاصة بكلٍ منهما (القوات المسلحة 1952 – الإخوان المسلمون 1928)، مع تغييب شبه تام للتنظيمات الأخرى سواء الأحزاب السياسية الفاعلة، أو النقابات المهنية والعمالية والطلابية المستقلة، أو منظمات المجتمع المدني، بعد تحجيمها جميعًا منذ عام 1954.

لم يستطع النظام المصري منذ عام 54 أن يوجه ضربة قاصمة إلى جماعة الإخوان المسلمين، مثلما استطاع في يوليو 2013، وكان العامل المتغير الوحيد، هو أن الإخوان كانوا قد مكنوا – شكليًا – من حكم مصر لمدة عام واحد! بعد عام واحد من الوجود المحجم في السلطة، أمكن إنجاز ما لم يتم إنجازه خلال الفترة من بعد 54 وحتى 2011! كان الإخوان على أبواب حكم مصر، على خلفية ملايين الشعب في الميادين والشوارع، يطالبون بإسقاط النظام! فماذا ينتظر النظام، الممثل في هذه اللحظة في المجلس العسكري، الذي كلفه الرئيس المخلوع بإدارة شؤون البلاد؟!

ترك المجلس العسكري الحبل على الغارب للإخوان، حتى يلفوا الحبل على رقابهم! مراهنًا على انتهازية الإخوان السياسية، كانت الاستراتيجية التي اتبعها حكام مصر الجدد، استراتيجية “ذبح القطة”، ليس فقط للتخلص من الإخوان المسلمين، وإنما الأهم بما لا يقاس، هو أن التخلص من الإخوان هو بمثابة رسالة ردع عملية مباشرة وشديدة الوضوح لأي قوى سياسية أخرى يمكن أن تجرؤ على التفكير في اعتلاء حكم مصر، وفي مواجهة أي محاولة من أي قوى سياسية للاستفادة من التمرد الواسع لملايين المصريين الذين ملأوا الشوارع والميادين في 25 يناير، الذين لايمكن مواجهتهم عسكريًا، وفي هذا السياق يمكن بدهاء النظام العتيق، الاستفادة من خبرة ثورة 25 يناير2011، ليتم استنساخها في 30 يونيو 2013! لتأتي سنة حكم الإخوان كجملة اعتراضية في تاريخ مصر الحديث! وعبرة لباقي القوى السياسية من الاقتراب من “كرسي” حكم مصر، وفقًا للمثل الشعبي المصري الشائع “ادبح لها القطة في ليلة دخلتك .. تدوب في هواك ومحبتك”!

“ليس المطلوب الخروج الآمن، وإنما الاستمرار الآمن”! انتشرت في أعقاب 25 يناير 2011، وسط عدد غير قليل من المحللين السياسيين المهمين، فكرة مؤداها أن المؤسسة العسكرية المصرية، كانت على استعداد لأن تتنازل عن مكانتها المتفردة على رأس منظومة الحكم المستمرة في مصر منذ 1952، سواء أمام انتفاضة يناير، أو أمام جماعة الإخوان المسلمين حتى لو جاءت بالانتخابات، أو أمام غيرها (جمال مبارك مثلًا)!، مقابل الخروج الآمن! حتى أن البعض بنى “نظرية” “الصفقة بين الإخوان والمجلس العسكري” على هذا الأساس الخرافي! في حين أنه كان “ليس المطلوب الخروج الآمن، وإنما الاستمرار الآمن”! “حد يبات عطشان والميه (السلطة) بتجري تحت إيديه .. لازم ما في عنده نظر”! وديع الصافي.

كتب الباحث المرموق “يزيد صايغ” في دراسته الأشهر “فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر”: “… يدور الصراع في مصر بين المسؤولين الجدد المُنتَخَبين ديمقراطيًا، وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حول قيادة مستقبل البلاد في حقبة ما بعد مبارك .. وبغية تفادي الوصاية العسكرية الصريحة، لابد أن يتوصّل كلٌّ من الرئيس الجديد، محمد مرسي، والأحزاب السياسية في مصر، إلى توافق راسخ على الحدّ من الصلاحيات الاستثنائية التي يسعى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى تضمينها في الدستور الجديد.

كما أنه من الضروري تثبيت الرقابة المدنية الفعّالة على تفاصيل ميزانية الدفاع وأي مصادر أخرى للتمويل العسكري، قدَّمَ تسليم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة رسميًا إلى الرئيس المنتخب محمد مرسي، في 30 حزيران/يونيو 2012، مؤشّرًا مهمًّا على نهاية مرحلة مضطربة في عملية الانتقال السياسي في مصر وبداية أخرى يبدو أنها ستكون أطول وأكثر تعقيدًا…”! .. وفي دراسة أخرى بعنوان: “شبح الديمقراطية المدارة يحوم فوق مصر” يتساءل “صايغ”: “ليس من الواضح تمامًا لماذا يُصِرّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الاحتفاظ بسلطة مُقيمة بعد أن يسلِّم الحكم رسميًا إلى قادة مدنيين”!

وكأن المؤسسة العسكرية على استعداد لأن تتنازل عن مكانتها المتفردة على رأس منظومة الحكم المستمرة في مصر منذ 1952، وتسلم السلطة للإخوان المسلمين؟!

وكأن الإخوان المسلمين سلطة مدنية؟!

(راجع موقف الإخوان المسلمين من امتيازات القوات المسلحة في دستور2012، وموقفهم في الإعلان الدستوري شبه الإلهي الذي أصدروه منفردين عن طريق مرسي في نوفمبر 2012)!

هل خالت على “صايغ” ؟!

“ليس المطلوب الخروج الآمن، وإنما الاستمرار الآمن”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست