في ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، فكرت ألا أحدثكم عن العلاقة بين الثورة والدماء، ولكن أن أحدثكم عن العلاقة بين الثورة والحب. شيئان عند النظر إليهما للوهلة الأولى يخيل إليك أنهما مختلفان تمام الاختلاف، لكن إذا نظرنا عن كثب نجد أنهما متقاربان إلى حد بعيد، تكاد تتلبسهم نفس الروح، يفكران بنفس المنطق. فما هي نقاط التماس بين الحب والثورة؟

كلاهما تسكنه روح الاندفاع
هؤلاء الذين حملوا أرواحهم واندفعوا إلى أحضان الموت، يذكروني تمامًا بالحبيب الذي يندفع نحو حبيبه ساعة انفجار الحب الساكن في أركان القلب عند رؤية الحبيب. انفجار بركان الثورة في ميادين الاستشهاد، يذكرني بانفجار بركان الحب لحظة الاعتراف. إن الحب يجعلك تقوم بأشياء لم تكن تتخيل أن تقوم بها في يوم من الأيام، تمامًا كما الثورة، فمن يتخيل أن يقف شاب بطوله أمام عربة الشرطة المركزية المصفحة وجهًا لوجه دون أدنى مبالاة منه بما قد يحدث له؟!

كلاهما يحيي النفس بعد موتها
هي فقط كناية عن ما تفعله الثورة بالنفوس كما يفعل الحب. كم منا سار منهزم النفس بعد ظلم لاقاه، كم منا شاهد ظلما بيّنا أمام عينيه ولم يستطع أن يتكلم، فأحس وأن شيئًا يموت بداخله؟ وكم مرة أحسست فيها أن قلبك قد أصبح كالتربة الجافة التي لا تنبت فأحياه الحب كما يحيي المطر الأرض بعد موتها؟

كلاهما تسكنه روح التضحية
ضحى الكثير ممن شاركوا في الثورة بأرواحهم من أجل الحق والعدل، وضحى الحبيب بعقله وقلبه لحبيبه حتى يصيران كيانا واحدا. التضحية هي الوصول إلى حالة من الاندماج، حالة يشعر فيها المرء بأنه كيان واحد مع من يضحي من أجله، فمن ضحى من أجل الوطن يرى أنه هو والوطن ماهية واحدة، وكيان واحد، ومن ضحى بنفسه لأجل نفس في ميدان الحرية فكأنما أحيا الناس جميعًا.

كلاهما يخمد بعد فترة  
لا بركان لا يخمد مهما تفجر. لا أتكلم عن الانتصار أو الانهزام، حالة الخمود حالة طبيعية تصيب الحب كما تصيب الثورة، ففي النهاية الانتصار والانهزام زيف كبير، الدنيا دائرة تستدير. إنه غليان داخلي، يعقبه زلزال، يعقبه فوران، تعقبه نيران، يعقبهم جميعًا خمود، تمامًا كمراحل الحب.

كلاهما ذو منافع
البركان بعد أن يخمد تتحول النيران إلى معادن نفيسة. الثورة تجربة غالية إن انتصرَت أو انهزمَت (الانهزام والانتصار زيف كبير كما قلنا) فهي تعلمنا أشياء لم نكن لنتعلمها لولاها. تمامًا كالحب، تجربة تعلمك عن الحياة أشياء لن تنساها.

كلاهما يحمل الذكريات وتحمله الذكريات
من أحب ولم يحمل ذكرى من حبيبه أو عن حبيبه؟ من نزل يجول الشوارع حاملًا راية الثورة، أو عاش في كنفها ولا يحمل ذكريات عنها؟!
الذكرى تسوق الأجيال القادمة، إن حملوا الذكرى، حملتهم الذكرى وسارت بهم إلى حيث منابع البركان يزلزلون أركان اليأس إذا دامت.

كلاهما كامن لا يموت
من قال إنه شيء ينتهي وإن خمد؟! ربما تظن أن ذلك الشيء الذي كان يسكن منابع قلبك قد جف أو أنه قد مات بمعنى أوضح، ولكنه هو فقط الكمون. إن الثورة كامنة تخمد ثم تتفجر ولكنها لا تموت. تمامًا كالحب، هو كامن وإن لم تشعر به، يومًا ما يحيا فيك وتحيا به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست