منذ خمسة أعوام، كلما حلّت علينا سنة جديدة تبدأ مشاعري في الارتباك، إذ أن العام يبدأ بشهر يناير، وذلك يعني اقتراب ذكرى الثورة المجيدة.
في كل مرة تحل علينا رائحة يناير يكون المشهد مختلفا، أحيانا يملؤه بهجة، كثيرا ما يملؤه حسرة، ودائما ما يملؤه أمل، حتى ولو كان ضعيفًا جدا.

والحيرة كل الحيرة الآن، هل أستقبل ذكرى يناير كذكرى الثورات المجيدة والحروب؟ فأحتفل وأبتهج ونهنيء بعضنا البعض؟ أم أستقبلها كذكرى كربلاء لدى الشيعة؟ فنشق الجيوب ونلطم الخدود على ما أهدرناه من فرص؟

ولو وددت أن أهنيء، فمن سأهنيء؟
الثوّار الذين شاركوا في الثورة؟ بالتأكيد لا! فنصفهم الآن يملؤون السجون والنصف الآخر يملؤه سجن كبير اسمه العجز وقلة الحيلة.
نهنيء الأحزاب والسياسيين والمثقفين الذين دعموا الثورة؟ بالتأكيد لا، فإنهم هرعوا لجمع الغنائم، قبل أن تنقلب عليهم اللعبة ولا يحصدون إلا الفتات.
في الحقيقة لو وددت أن أهنيء أحدا بذكرى ثورة يناير، فلن أجد إلا أولئك الذين استفادوا من حماس الثوّار أول الأمر، ثم طمع الأحزاب بعد ذلك، ثم ذعر العامة وقلقهم. فهزموا بذلك يناير وخرجوا الرابح الأوحد من جراء حدوثها.

لكنّي ورغم كل شيء لدي إصرار كبير على الاحتفال، سأحتفل وسأهنيء. سأهنيء ثورة الخامس والعشرين من يناير ذاتها.

إلى يناير العزيزة:
كل عام وأنتِ أفضل، ما أنتجه هذا الشعب بإرادته طوال تاريخه الطويل في لحظات حرة منزّهة عن الخوف والذل. كل عام وأنتِ رمز للحرية والكرامة الإنسانية ليس فقط لمصر، ولكن لكل الشعوب الطامحة إلى حريتها.

كل عام وكل شيء في هذا البلد لن يعود من بعدك كما كان من قبلك. حتى وإن عاد نظام يشبه النظام، وساد صمت يشبه الصمت، وعادت كل الأمور في ظاهرها إلى أدراجها، فإنه سيبقى دائما تحت الرماد في قلوب الالآف بل والملايين صورة لن تفارقهم، حتى يفارقوا هم الحياة.
صورة كبيرة تعج بملايين لا يهتفون إلا باسم مصر، ويتوسطها علم كبير بألوانه الثلاثة. أو صورة دماء تسيل وهي تقاوم أمطار الرصاص والغاز دفاعا عن أحلامها. أو صورة لوطن يطمح لحريته وكرامته، وطن ملك لشعب بأكمله لا لفئة بعينها.

كل عام وأنتِ موصوفة بالنكسة تارة وبالخسائر تارة، مشتومة من أصحاب المصالح، الذين كانوا يهنؤون بحياة كريمة في كنف نظام فاسد، أو من أولئك المعصوبة عيونهم وعقولهم أمام شاشات التلفاز.

فلا يحزنك السباب، فكل شريف طيب الأصل في بلادنا ينال من السباب ما ينال، وسباب ضيقي العقل وأصحاب الهوى لا يعد إهانة، ولا يجب أن تعيريه اهتماما من الأساس.

أيتها العزيزة يناير، إننا في هذا الوطن نعيش عمرا من الفرص الضائعة، ربما تمر علينا لحظات من الأمل والإيمان بأن الجيد يمكنه أن يأتي ويخلّصنا. بينما تراودنا في أغلب الأوقات أيام من اليأس والرغبة في الهروب من تلك الصورة القاتمة. لكننا وفي جميع الأحوال لم نشعر أننا نحيا، ونملك حاضرا سعيدا وغدا مبهجا، مثلما شعرنا في أولئك الثمانية عشر يوما عندما كنتِ فيه ضيفتنا.

سامحينا لأننا لم نكرم ضيافتك..
العزيزة يناير، أنتِ الشيء الوحيد الذي نشعر أننا نملكه في هذا الوطن بعدما سلبوا منّا كل شيء. من أجل ذلك احتفل بذكراكِ.
كل عام وأنتِ نصرنا، حتى وإن خذلناكِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست