منذ العديد من السنوات كانت وسائل المعرفة هي شاشة تتجمع حولها الأسر, تتابع الأخبار وتمصمص شفاهها على الحزين منها, ومن كثرة الأخبار السيئة والمآسي كان البعض ينصح بعدم مشاهدة نشرة الأخبار قبل النوم, كانت من الأخبار المتضمنة عن الصومال والسودان مرورًا بصورة كيفين كارتر عن الطفلة والنسر في إحدى مجاعات أفريقيا التي هزت العالم هزًا فهرول الجميع لإرسال معونات أكثر, وكانت تُعرض صور أخرى لأطفال يظهر قفصهم الصدري عار, دون لحوم تحت الجلد, ما يظهر كانت العظام, كنا نُذهل من المعروض, ولكن كانت تمر أيام ويظهر خبر آخر فننسى القديم, كانت الشاشات تعرض لمواكبة الحدث وليس للتحرك, وإن تحركت الأمم فذلك لا يضير ذاك في شيء, سيكون فخر للشاشة التي عرضت.

ثم أخيرا ظهرت “مضايا” بكل ما بها من مآسٍ يتوجع القلب منها, حقيقة إنني حتى الآن أتجنب أن أرى أي صور للمدينة أو أشاهد أي فيديوهات فإنني غالبا ما يكون فكري بعيدا, تسرح رؤيتي إلى قلب المصور لتلك المشاهد هل هو ينقل لنرى ويكون هناك مواقف ما, أم أنه يسعى لمسعى خاص أو سبق ما أو شهرة لا تدوم, ولكن في النهاية زهدت أن أرى كل ذلك فقد أرهقتني الرؤية ولا أشاهد سوى ميديا كاذبة وتعاطف زائل.

ولكن لنشهد جميعا.. هل رؤية تلك المشاهد عن طريق أي وسيلة هل غير شيء؟ هل تغيرت الوجهة والوسيلة فى ردع ذلك, أو عن رؤية هذه المشاهد مرة أخرى, هل يتحرك الجميع كما تتحرك الأمم لخطف إحدى الأميرات, تتحرك أمم لسبب أدنى من ذلك, تكون ثمرة من لا سبب لتحصد ثمرات, لم نتغير كجيل جديد عن السابق والأسبق, ما زالت هناك وسيلة واحدة لإراحة الضمير, ألا وهي “المعونات” حيث تُكدس الشاحانات بما لذ وطاب, وينادي أصحاب الضمائر اليقظة بالإسراع نحو تلبية نداء الأمم المتحدة التي تهيء العالم للسلام والاستسلام, يجد الضمير ما يريحه فيبتسم لقد وجدت ما أنأى به عن أي مسئولية, لقد أخرجت ما في جعبتي, وسأنام مستريح البال! ولكن السؤال هنا هل عالجت السبب الرئيسي وراء هذه المجاعة, أم أنك تعالج الأعراض فقط؟!

هناك مبرر آخر يريح الضمير أكثر من قوت اليوم, وهموم تشغل حيز الفكر يوميا, آلة يومية وفكر خامل, فتنأى عما وُجدنا من أجله, بعضنا يحيا ويموت ولا يترك أثرا في الحياة سوى دموع قليلة وهوان رحميّ, وجيل يرحل ليأتي جيل مات قبل أن يُولد, جيل أتى معظمه بعشوائية, ودُفن تحت ظُلمة الشهوة والعدوانية.

فطبيعي أن ترى الأعين ضلوع ظاهرة من تحت الجلود, ودماء تسيل على الخدود, وطفل يبكي ضياعا من يومه وغده, وتظل ساكنا تريح ضميرك بعدة قروش, وتسير الحياة بهوادة, وترى الأعين نورا آخر ينسيها مآسي الشاشات وصور الأقمار الصناعية, وخمول ولهو وسائل التواصل الاجتماعي, نورٌ تحت الأرض, نور ملهى ليلي ينير الشهوات أكثر.

عندما كنا قادة للعالم ظهر تحت القائد قادة آخرون, لم يكن الصمت يقبع داخلنا كما الآن, لم يملأ الجيل الجديد كل ذلك الإحباط, كانت لنا رؤية بعيدة لكل شيء, حقيقة هناك ألم ما في “كنا” و”كانت”.. نريد أن نقول أننا نفخر بحاضرنا لا ماضينا.. ولكن هل مع كل ذلك الإحباط وكل هذه السلبية يظهر قائد ما؟.. ربما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست