بهذه الكلمات لخص محمود بكر قصة 83 دقيقة هي المدة التي قضاها المنتخب المصري لكرة القدم قبل أن يسجل هدفه الأول والأوحد في كأس العالم عام 1990، ذلك الهدف الذي مازال المصريون على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم يشيرون إليه كلما ألمّ بهم الحنين إلى تذكر بعض الأمجاد القليلة التي أحرزها المصريون بعد بناء الأهرامات وعبور خط بارليف. ربما شهدت السنوات الست الأخيرة من عصر مبارك انتصارات كروية أعظم من مجرد هدف يتيم جاء من ضربة جزاء مشكوك في صحتها، هدفا شوقي وزيدان في مباراة البرازيل في كأس القارات مثلا، أو هدف الفوز لأبوتريكة في نهائي أفريقيا 2008، أو أهداف جدو المدهشة والتي منحت مصر لقب أفريقيا قبل عدة شهور من ثورة يناير، لكن ظل مجدي عبد الغني وهدفه أسطورة دائمة التردد على مدار أكثر من ربع قرن حتى ملّ الجميع من هذا الهدف الذي لا يتذكره أي انسان خارج الحدود المصرية ولا يحتل أي حيز من تاريخ كرة القدم العالمية.

“هذه لحظة تاريخية، لقد تكلم شعب مصر، وتم الاستماع إلى صوته، ولن تعود مصر أبدا إلى ما كانت عليه”.

هكذا تحدث الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد تنحي مبارك إثر ثمانية عشر يوما من المظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت في ميدان التحرير وبقية ميادين مصر، بل هكذا تحدث قادة العالم جميعا، المستشارة الألمانية ميراكل، رئيس الوزراء الإيطالي، وحتى الدوما الروسي، لتكون هذه الكلمات وغيرها وساما على صدر كل مواطن مصري، مجد جديد لحضارة ولدت منذ سبعة آلاف عام ولاتزال حاضرة في مخيلة المصريين رغم زوالها وزوال ما يبرر بقاء الذكرى نفسها.

جاءت البداية لتحاكي تجربة تونس التي بدا أنها أتت أكُلها قبل عدة أيام، حُرق بوعزيزي فنزل التونسيون إلى الشوارع وبعد عدة أيام رحل زين العابدين. أراد المصريون إعادة استنساخ التجربة التونسية غير آملين في تحقيق نفس النتيجة، بدت الأحداث وكأنها مجرد مظاهرات ضخمة بعض الشيء لكن أحدا لم يدر بخلده أن هذه المظاهرات ستقود بعد أقل من ثلاثة أسابيع إلى تنحي أحد عتاة الدكتاتورية والفساد في العالم العربي، مبارك الذي تربع على عرش جمهورية الضباط المصرية لثلاثة عقود كاملة.

لكن وبالرغم مما حققته هذه الاحتجاجات من نتائج أولية إلا أن المشاركين فيها لم يجتمعوا على كلمة رجل واحد كما رددوا أو كما ظنوا، ربما وحدتهم الرغبة في التخلص من مبارك فقط، لكن ما خلا ذلك لم تكن هناك خارطة واضحة للمستقبل أو مطالب موحدة يقف الجميع خلفها، ظل الميدان مترددا بين الرحيل قبل موقعة الجمل تأثرا بخطاب مبارك العاطفي وانتظارا لرحيله بعد ستة أشهر، وبين الانتظار والاعتصام حتى رحيله الفوري، ظل الثوار حائرين هل يتولى رئيس مجلس الشعب الرئاسة المؤقتة أم رئيس المحكمة الدستورية، هل يضم المجلس الرئاسي المدني المقترح عضوا من المجلس العسكري أم نكتفي بالبرادعي وصباحي، لكن هذا الاختلاف ظهر جليا وبوضوح بعد شهر واحد فقط من التنحي.

وقالت الصناديق للدين نعم! أو هكذا فسر محمد حسين يعقوب نتيجة استفتاء التاسع عشر من مارس، أولى محطات الثورة في طريقها لإعادة بناء الدولة المصرية وإعادة هذه الدولة المخطوفة للشعب المقيدة حريته. نادى الكثيرون بضرورة كتابة دستور جديد بدلا من ترقيع آخر عفا عليه الزمن، لكن أكثر من 77% ممن صوتوا كان لهم رأي آخر وارتضوا بترقيعات أجراها المجلس العسكري على دستور 1971.

ذلك الرأي الذي لم يرض عنه الآخرون من أعضاء فريق الدستور أولا، فقاموا في بادرة ديمقراطية مدهشة برفض اختيار الأغلبية وتنظيم المظاهرات التي ظلت تدعو لعدة شهور بعدها للعودة لمسار الدستور أولا، وهو نفس ما قام به شباب الثورة في نوفمبر من نفس العام في محمد محمود؛ حين تعارضت رغبتهم مع رغبات الأحزاب السياسية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، في إجراء الانتخابات البرلمانية المتفق عليها في التعديلات الدستورية، ليكون التاسع عشر من نوفمبر هو اليوم الذي كتبت فيه ثورة يناير السطر الأول في قصة فشل امتدت سنوات عدة، بعد ذلك، حتى يومنا هذا.

هل باع الإخوان شباب الثورة في محمد محمود أم أن الجميع في هذه اللحظة باعوا الثورة وباعوا أحلامهم التي تقاسموها في ميدان التحرير؟ يبدو هذا السؤال محوريا وهاما في تحديد أسباب الفشل الذي حاق بالثورة، وبالرغم من عدم تفشي الخلافات بصورة قاطعة بين الطرفين الأساسيين والمكونين الرئيسين للثورة، إلا أن شيئا ما قد كُسر في هذا اليوم لم تُصلحه الأيام أبدا.

ربما كانت صورة الإخوان – والإسلاميين – عامة قد تشوهت على أيدي إعلام مبارك على مدى عشرات السنوات، لكن بقى شيء من التعاطف مع هؤلاء الرجال شديدي الطيبة كثيري عمل الخير والمعارضين الأقوى لمبارك ونظامه، هذا التعاطف الذي بُني في عشرات السنوات وانهار في بضعة شهور.

حاز الإخوان الأكثرية في برلمان الثورة ونالوا ثقة الشعب، لكنهم فقدوا ثقة رفاق الميدان ولم يعبأوا كثيرا باستعادة هذه الثقة، ظنوا أن الديمقراطية قد ترسخت في أرض مصر وأن ثمارها قد أوشكت على القطاف ولم يعلموا أن هذه الديمقراطية حتى وإن وصل فرعها إلى السماء فأصلها لم يكن ثابتا بعد. لهذا كان خيارهم بالترشح لانتخابات الرئاسة – وهو القرار الذي علم الجميع منذ اليوم الأول أنه أكثر أخطاء الثورة فداحة – هو المسمار الأول في نعش الديمقراطية.

يظن شباب 30 يونيو أن رغبة الإخوان في السيطرة على كل أركان الحكم من برلمان ورئاسة هي ما أوصلت ثورة يناير لهذا الفشل، ينعتون ذلك بالجريمة دون النظر إلى مشاركتهم في هذه الجريمة. لقد حاول الإخوان كثيرا الوصول لصيغة توافقية ورئيس يرضى عنه الجميع كحل يخرج به الجميع من دوامة الفوضى المنتظرة لو جاء الرئيس إسلاميا أو كارثة العودة للقمع والفساد لو ترشح أحد أعضاء معسكر مبارك.

في الوقت نفسه ظن البرادعي – الملهم – أن أقل تقدير من هذا الشعب البائس لجهوده أن يرفعه إلى مراتب عظماء التاريخ لتوضع صورته جنبا إلى جنب مع صورة غاندي وجيفارا وعمر المختار ، ويوضع اسمه في سجلات رؤساء مصر، لكن دون خوض الانتخابات جنبا إلى جنب مع أفراد من عامة الشعب.

هلل مؤيدوه حين أعلن ترشحه وصاغوا القصائد في مدح شجاعته وتضحيته، فلما أعلن انسحابه لعدم سلامة العملية الانتخابية كما أعلن – أو لتأكده من خسارته كما نعلم – صاغوا القصائد في مدح نقائه ومثاليته. وما بين انسحاب البرادعي ورفض الغرياني ومنصور علي – وغيرهم من التوافقيين – لم يبق إلا العسكر والإخوان ليخوضوا معركة الانتخابات الحقيقية جنبا إلى جنب مع أحد عشر من ممثلي الصف الثاني لا يرقى منهم إلا اثنان – أبو الفتوح وصباحي – لمشاركة دور البطولة.

هل كانت الثورة لتنجح لو فاز حمدين؟ ربما لو سُئل هذا السؤال قبل عامين لكانت إجابة الكثيرين هي: نعم، لكن الإجابة اليوم – وحتى على لسان أنصار حمدين نفسه – هي بالتأكيد: لا، هل يُرجى ممن لعب دور المحلل في انتخابات بدت كتمثيلية سخيفة أي أمل في النجاح؟ الحقيقة أن من يضع مؤسس دولة العسكر في 1952 كمثل أعلى لا ينبغي أن يعول عليه كثيرا في الوقوف في وجه دولة العسكر التي جاءت على ظهر الدبابة في الثالث من يوليو 2013، ذلك اليوم الذي حمل مشهد النهاية في قصة فشل الثورة بعد سلسلة من الأخطاء المتتالية والمتداخلة من معسكري الثورة – الإسلاميين والقوى المدنية – لينتهي فعليا الأمل في استكمال ما ظن ثوار يناير أنهم بدأوه ويبقى فقط في مخيلة الجميع حلم التغيير قائما.

يظل الإسلاميين على قناعاتهم بأن الانقلاب يترنح وأن أرواح المئات والآلاف هي ما يروي هذه الثورة الطاهرة لتظل يانعة، ويبقى الآخرون مصرين على ترديد شعارات “يسقط كل من خان العسكر والإخوان” وهم لا يدرون أن الجميع سقط، ولم يبق إلا العسكر.

لماذا لا نحتفل بذكرى هدف مجدي عبد الغني؟ لماذا لا نلعب كل مباراياتنا الحاسمة في الثاني عشر من يونيو حتى نستعيد الأمجاد؟ ربما فكر بعضهم في ذلك يوما ما، لكن الله كان رحيما بنا فلم تخرج هذه الفكرة إلى النور، لكن أفكارا شبيهة تظل عالقة في ذاكرة التاريخ، تطل برأسها كل عام لتُخفي فشلا صارخا، تحاول جاهدة أن تُغطي على إخفاقاتنا المتكررة وهزائمنا المخجلة أمام أنفسنا، تُسوق أساطير عن مجد زائل – إن جاز أن نسميه مجدا – بدلا من السعي لتحقيق مجد حقيقي. يمر العام تلو العام فلا نتساءل لماذا فشلنا في استثمار بذرة نجاح صغيرة زرعناها يوما ما، فقط نُغرق في استدعاء ذكريات نصف نجاح ظنا منا أن فخرنا بما حققناها قديما سيقود إلى نصر قريب، بينما نحن نصنع هرما من الفشل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست