إن العجب ليتملكك وأنت ترى قطاعا من المحسوبين على الإسلام وهم يطعنون جنباته بحناجرهم وخناجرهم، يكيلون من الاتهامات ما قاله أعداؤه وما لم يقولوه، تماما كما كان المنافقون في دولة المدينة يفعلون، محسوبون على الإسلام ظاهرًا وحقيقة الأمر أنهم سوسٌ ينخر في جسد الإسلام، وأدوات يستخدمها أعداؤه لهدم بنيانه، (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).

ومن افتراءاتهم على الإسلام أنه دين يستعبد الناس، ويجعل منهم عبيدا وإماءً، وما كلفوا أنفسهم عناء الاطلاع على كتاب التاريخ يقلبون صفحاته، وينظرون كيف كان حال البشرية قبيل مجيء الإسلام، وكيف تعامل الإسلام مع هذا الواقع الفاسد وعالج هذا الفساد، والكلام في هذا الموضوع لعله من لغو القول ونافلته، لكن أحببت أن أكتب حول الرق والعبودية، مبينا وجهة نظري في هذا الأمر، ومحاولا قراءة الأسباب التي حالت دون وجود تشريع في الإسلام لمنع الرق وكيف عالج الإسلام هذا الأمر.

جاء الإسلام في سياق تاريخي مظلم، انتشر فيه الفساد بكل أنواعه: الديني والاجتماعي والاقتصادي، ساد الشرك بالله سبحانه والدجل والشعوذة، وانتشر البغاء والفجور والسطو على الممتلكات، والإغارة على القبائل والبلدان المجاورة بهدف التوسع والاستيلاء على خيراتها، ومن مظاهر الفساد أن تجارة العبيد ازدهرت بشكل قانوني على المستوى الدولي في قارات العالم القديم قاطبة (أوروبا وأفريقيا وآسيا).

وعرفت كل الحضارات الرق وتجارة العبيد، فعرفها السومريون والفراعنة والإغريق واليهود والرومان والعرب، ولعل الحضارة الغربية في مختلف عصورها كانت أشد قسوة مع العبيد من كل الحضارات، حيث كانوا يجعلونهم يصارعون الموت ترفيها عن السادة وتحقيقا للربح المادي، وهو ما ينافي كل مبادئ الإنسانية في كل الأزمنة، ولقد قمعت الإمبراطورية الرومانية الثورة التي قام بها العبيد بقيادة سبارتكوس بوحشية وعنف، وعُلِّق العبيد على الصلبان أحياء بطول الطريق من روما إلى كابوا، ليكونوا عبرة لمن تسول له نفسه الخروج على النظام الاجتماعي المستقر في الإمبراطورية..

وفي العصور الحديثة صاحبت تجارة الرقيق الاستعمار الغربي، فأنشاوا شركات تقوم على جلب الرقيق من البلاد المستعمرة، وبنت بريطانيا أسطولا لجلب الرقيق بلغ عدد سفنه 155 سفينة، وقُدِّر عدد العبيد الذين تم جلبهم من أفريقيا إلى أوروبا وأمريكا بـ 10 ملايين على أقل تقدير و40 مليونا في تقديرات أخرى. (الرقّ وموقف الإسلام منه)

ولقد كان التقسيم الطبقي وتفضيل بعض طبقات الناس على بعض، يجعل كل طبقة تستعبد ما تحتها من طبقات، حتى إن الهنود كانوا لا يرون إباحة التمازج بين شخصين من طبقتين مختلفتين في مجلس ولا في مؤاكلة، فضلا عن المصاهرة، وكانوا يفرقون بين مجلسيهما بلوح خشبي أو ستار، أو بخط على الأرض إن لم يوجد لوح خشبي، وكان هذا سببا رئيسا في عدم قبول كثير منهم للإسلام؛ لأنه يسوي بين الناس، ويجعل معيار التفرقة بينهم التقوى، وهو ما لم يقبلوه، نظرا لما توارثوه خلال قرون بل آلاف السنين من هذه التفرقة الذميمة (انظر: تحقيق ما للهند من مقولة ص 75، 76).

وعُرفت العبودية في مصر الفرعونية كما عرفت في سائر الحضارات، ولا يخفى أمر نبي الله يوسف عليه السلام، الذي تم بيعه لأحد النبلاء المصريين، وقصته أشهر من أن تذكر في هذا المقام. وكانت قصور الفراعنة زاخرة بالعبيد، وكان الفراعنة والملوك يُنعمون على الجنود عند تحقيق الانتصارات ببعض الأسرى من الجيوش المنهزمة ليقوموا على خدمتهم، وقد استعبد المصريون كثيرا من النوبيين والآسيويين، وكان الانحدار إلى مرتبة العبودية هو العقوبة التي يوقعها الفرعون على من يعتنق دينا مخالفا، وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى القتل، وكان بنو إسرائيل مستعبدين في مصر، مسخرين لخدمة المصريين، وقد أثخن فيهم المصريون القتل والتشريد، وهو أمر خلدته التوراة، وأكده القرآن، ولم تَخْلُ من ذكره كتب التاريخ.

ولم يقف أمر العبودية عند حد سلب حرية فئة من الناس وتسخيرهم لخدمة فئات أخرى، بل تعدى الأمر إلى استعباد فئة أو شخص لشعوب بأكملها لعبادته وتأليهه، وكان أبناؤه من بعده يرثون الألوهية كما يرثون الملك، وقد حدث هذا في مصر، وأشهر هؤلاء الفراعنة المتألهين رمسيس الثاني، فرعون موسى، الذي بلغ به كبره أن يدعي الألوهية فيقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى). ثم بلغ به الكبر مداه فنفى أن يكون هناك إله غيره، فقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي).. وعرفت عبادة البشر في بابل كذلك، وكان النمرود، كما كان فرعون، يزعم أنه إله، حتى حاجه إبراهيم عليه السلام وبهته.

وإذا كان الفراعنة والنماردة والجبارون قد ألهوا أنفسهم وعبَّدوا الناس رغمًا عن آنافهم، فإن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل إن الناس ألهوا من لم يزعموا أنفسهم آلهة، بل كانوا عبادًا صالحين لا جبارين، فعبدوا المسيح ابن مريم عليه السلام وأمه، وعبدوا العزير، واتخذوا من الملائكة عباد الرحمن آلهة، بل عبدوا الشيطان والجن، فضلا عن مظاهر الطبيعة من الرياح والنجوم والكواكب… إلخ.

جاء الإسلام في هذا السياق التاريخي، فوجد الناس قد استُعبدت أبدانهم وعقولهم، وكان تحرير العقول أسمى في الإسلام من تحرير الأبدان، لذا كانت دعوته تهدف إلى إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صاحب رسالة من الله تعالى، ولم يكن زعيما سياسيا أو صاحب حركة إصلاحية تهدف إلى معالجة بعض جوانب القصور في العلاقات الاجتماعية بين الناس، ثم يُتركون وما تشتهيه أنفسهم ما داموا ملتزمين بالقوانين والأعراف التي استقر عليها المجتمع، بل كانت عبادة الله تعالى والانقياد له ولأحكامه هي الهدف الأسمى الذي من أجله خلق الله الإنسان، وإليه دعا النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سلّم الإنسان إرادته لله تعالى وأفرده بالعبادة، سَهُل عليه بعد ذلك الانقياد لأحكامه وقوانينه.

لماذا لم يُلْغِ الإسلام العبودية؟

الحديث حول هذه المسألة ينقسم إلى شقين، الشق الأول يدور حول الأسباب التي حالت دون وجود تشريع يلغي الرق إلغاء تاما، والشق الآخر يدور حول تعامل الإسلام مع الرقيق.

نقول بداية إن الله تعالى لا يعجزه شيء، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم). لكن نحاول استجلاء الأسباب الظاهرية التي يستحيل معها وجود تشريع يمنع الرق في الإسلام، من وجهة نظر المتابع، فنقول: إن هناك أسبابا عدة تحول دون وجود تشريع يلغي الرق والعبودية، وسنحاول أن نوجز هذه الأسباب:

1) إن الناس لم يتقبلوا فكرة المساواة الكاملة بين البشر التي جاء الإسلام وأعلنها دينا يعتنقه أتباعه، وهذا المبدأ هو الذي من أجله عارض الهندوس دخول الإسلام رفضا قاطعا، فالديانة الهندوسية تقوم على تقسيم الناس إلى أربع طبقات، ورسخ هذا التقسيم الطبقي فيهم على مدى آلاف السنين، ووجد المسلمون تعنتا شديدا منهم، (راجع كتاب تحقيق ما للهند من مقولة للبيروني)، وهذا السبب نفسه هو الذي جعل كفار قريش والعرب يحاربون الإسلام، ويعلنون الخصومة له، ويعجبون من هذا الدين الذي يسوي بين السادة والعبيد.

وقد عبر القرآن عن المشقة في تقبل هذا الأمر في قول الله تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة)، فأعلمنا تعالى أن فك الرقاب من المشقات التي كان يصعب على الناس تقبلها، ومرجع هذه المشقة عزة النفس التي تأبى على صاحبها أن يقبل بمساواته لأفراد كان يراهم أدنى منه مرتبة، بل كان يراهم في مرتبة الحيوانات التي سخرها الله لخدمته، فعمل الإسلام على تعبيد الناس كلهم لله تعالى، فإذا ما علموا أنهم جميعا عباد لله تعالى، انقادوا له سبحانه وجعلوا إرادتهم تابعة لإرادته، فيسهل تقبلهم لفكرة المساواة بين البشر التي دعا إليها الإسلام.

2) كان هناك نوع آخر من التسلط غير التسلط على الأبدان كان أولى أن يتم تحرير الناس منه، وهو التسلط على قلوب الناس وعقولهم وأرواحهم، فقد سيطرت الخرافة والجهل على الناس، فانحرفوا يعبدون الحجر والشجر والبشر والكواكب والنجوم وسائر مظاهر الطبيعة، وجعلوا لكل مظهر من مظاهر الطبيعة إلها يتوددون إليه ويتقربون إليه بشتى أنواع القربات، وسادت الخرافة حتى إنك تجد الناس لا يجيشون جيوشا ولا يعقدون سلاما ولا يخرجون لتجارة ولا يصاهرون، ولا يحركون ساكنا، إلا بعد استشارة الكهنة والعرافين واستطلاع آراء الجن والنجوم، ولم تخلُ ثقافة ولا أمة من هذا الجهل، وإلى اليوم تنتشر هذه الخرافة، والعجيب أنك تجد هؤلاء العرافين والدجالين قد أخذوا يظهرون دينهم هذا على الناس في ثوب جديد تحت اسم (علم الفلك والأبراج)، والأعجب أنك تجد الذين يتهمون الإسلام باسترقاق الناس وسلب حرياتهم أول المدافعين عن استرقاق عقولهم وأرواحهم بهذا الجهل والدجل.

3) إن أحكام الإسلام ملزمة لأتباعه دون من سواهم، وكل تشريع يلتزم به المسلم دينًا لا يجوز فرضه على كافر، تصديقا لقوله تعالى في سورة البقرة: (لا إكراه في الدين)، وقوله تعالى في سورة الكافرون: (لكم دينكم ولي دين). فلا يُطالَب الكافر بأداء صلاة ولا زكاة ولا حج، فكيف يُطالَب الإسلام بتشريع يحرم الرق ويجرمه ولا سلطان له على الأمم الأخرى: الفرس والروم والأمازيغ والهنود والصينيين، على اختلاف أديانهم وثقافاتهم؟ وهل المطلوب أن يجرم الإسلام استعباد أسرى الحرب وأتباعه معرضون للأسر والاستعباد؟!

إن الأمر كان يستدعي توافقا أمميا لاستصدار قانون دولي يحرم الرق ويجرمه، ولم يكن الإسلام حينها سيقف حجر عثرة، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم سيكون أول المبادرين لقبول هذا التشريع وتطبيقه، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت). وهو حلف الفضول، فكل حلف يهدف إلى رفع الظلم عن المظلومين يؤيده الإسلام ويسعى أتباعه إلى التحالف معه، وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدات مع اليهود ومع قريش، والتزم المسلمون بها تطبيقا لقول الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود)، حتى بدأ اليهود بنقض عهودهم.

4) إن إلغاء تجارة الرقيق بتشريع واحد يناقض سنة الإسلام في التدرج التشريعي لأحكامه حتى تكون مرحلة التحريم هي آخر مرحلة، كما حدث في تحريم الخمر مثلا، كما أن الإسلام ليس حركة شيوعية تهدف إلى سلب أموال الناس، ولذلك حرم الإسلام كل أنواع سلب الأموال وأكلها بالباطل، كالسرقة والربا والرشوة..

وكانت تجارة الرقيق تمثل قطاعا تجاريا كبيرا يضعون فيه أموالهم، وفي إلغاء تجارة الرقيق ضياع لأموال الناس، لكن حث الإسلام الناس على عتق الرقاب حتى يكون ذلك التزاما منهم تقربا إلى الله لا إلزاما، وجعل عتق الرقاب كفارة لعدد من العقوبات كالظهار والقتل الخطأ، مع إرساء مبدأ المساواة الكاملة (فالناس سواسية كأسنان المشط)، (وكلكم لآدم وآدم من تراب).

وقد يتساءل البعض لماذا لم يتم تحريم العبودية أسوة بتحريم الربا؟ فنقول: إن تحريم الربا ليس فيه تضييع لمال الناس، فقد جعل لهم رؤوس أموالهم دون ما يجعلونه من زيادة يعتبرونها ربحا، فلم تقع عليهم خسارة في أموالهم، أما تجارة الرقيق فكانت تمثل للناس في هذا الوقت رءوس أموالهم، ومع هذا فقد شرع الإسلام الكتابة، فقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوهم، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيِّده المال الذي شارطه على أدائه). (تفسير ابن كثير 6/ 52). وهذا تشريع لم تسبق إليه ثقافة من الثقافات ولا أمة من الأمم.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست