" بعد قطع العلاقات السعودية الإيرانية نتيجة حرق السفارة السعودية في طهران قد نشهد تصعيد خطير بين الطرفين قد يؤدي إلى حرب جديدة لا تريدها شعوب المنطقة "

  عندما أقدمت المملكة العربية السعودية على إعدام أكثر من أربعُون شخصا بتهمة "الإرهاب"، كان من بينهم شخصية معروفة لدى الرأي العام السعودي و العربي اسمها "النمر"، استنكرت بعض المنظمات الحقوقية العالمية هذا السلوك، و بعض من الدول كان من بينها  إيران التي  ندّدت بإعدام "النمر" بشدّة، و الذي أثار الاستغراب هو الضجّة التي أثارتها هذه الدولة محليا و إقليميا بعد الحادثة ممّا طرح تساؤلات عديدة حول علاقتها بهذا الشخص، و من خلال هذا الاهتمام الإيراني الكبير لهذا الشخص يستدعي الموضوع طرح التساؤل التالي: من هو " النمر" ؟ وماذا يعني للسعودية وإيران؟ و ما الذي حدث بعد إعدامه؟

أولا: شـخـصـيــة " الـنـمــر" 

     اسمه الكامل " نمر باقر النمر" يعتبر من أكثر الشخصيات المعروفة داخل المملكة العربية السعودية،  ينحدر من منطقة العوامية في محافظة القطيف شرق المملكة، حيث ولد فيها عام 1959م، يُصنف ضمن علماء الدين "الشيعة"، تتميز خطابته بمعارضة شديدة للنظام السعودي، و كان من أشهرها الخطاب الذي ألقاه أثناء أحداث البقيع في مارس 2009م و قدّم فيه نقدا عنيفا للسلطة الحاكمة، و أعتقل بعدها بسبب تصريحاته الداعية إلى انفصال المنطقة إذا لم يُحترم المكون الشيعي فيها، ثم أطلق سراحه  بعد فترة وجيزة، وأعتقل بعدها عدة مرّات و كل مرّة يطلق سراحه، و كانت سنة 2012م هي المرّة الأخيرة التي أعتقل فيها "النمر" بسبب دفاعه عن احتفال الناس في القطيف بوفاة الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السابق الذي وصفه بالطاغية، وبقي محبوسا إلى غاية 2 جانفي 2016م حيث تمّ إعدامه. 

ثانـيــا: "الـنـمـر" في تصوّر الحكـومـة السـعـوديــة

الذي يعنيه "النمر" للسلطات السعودية هو تهديد للعائلة الحاكمة و لوحدة البلاد، كما يشكل خطورة أخرى من نوع عقائدي ديني بسبب ولائه لإيران حسب محللين، فهو شخص تستخدمه هذه الأخيرة وفق نظر الحاكم السعودي لنشر "التشيع" داخل المملكة و هذا أمر محظور و مخالف للدين الإسلامي الصحيح على قول علماء السعودية، فهم يعتبرون "الشيعة" طائفة بعيدة عن الدين خاصة منها الإثني عشرية، والطرف الآخر أيضا يعتبر "السنة" بعيدين عن الدين الإسلامي،  وبالتالي كان هذا سببا مباشرة للتخلص من هذا الشخص عن طريق حكم قضائي أنهى حياته بالإعدام.

مباشرة بعد إعدامه ندّدت الكثير من المنظمات الحقوقية الدولية داخل الوطن العربي و أعربت عن قلقها الشديد تجاه هذا السلوك و اعتبرته جريمة و مخالف للقانون الدولي  ولمعايير حقوق الإنسان، واستنكرت بعض الدول هذه الخطوة كحكومة دمشق وطهران، إضافة إلى فواعل أخرى دون مستوى الدولة كحزب الله اللبناني، أمّا دول المنطقة المجاورة للسعودية أيّدت قرار المملكة. 

ثالـثــا: "الـنمــر" في تصوّر الحكومــة الإيـرانـيــة 

أثناء تواجده داخل إيران التي هاجر إليها سنة 1980م و مكث فيها لما يقارب 10 سنوات  تأثر "النمر" بالفكر "الثوري الإيراني"، و عند رجوعه لمسقط رأسه داخل السعودية أصبح من بين أكثر الأشخاص المُعوّل عليهم من الدولة الإيرانية خارجيا لنشر فكرها  "الثوري" داخل السعودية، فهو و من خلال فكره التشيعي و نشاطه الواسع لفت أنظار الطائفة الشيعية المتواجدة بكثرة في منطقة "القطيف"، اجتمعت حوله هذه الفرقة في صورة أعطت انطباع لدى السكان الآخرين من الطائفة "السنية" داخل البلد نفسه بأنـّه شخص تمّت مبايعته سواء من المكوّن الذي ينتمي إليه داخل المملكة أو من طرف الإيرانيين كممثل لهم داخل السعودية، و الذي حدث و منذ سنوات عديدة هو حصول هذا الشخص على مكانة خاصة لدى الحاكم الإيراني، كيف لا وهو من كان ينتقد بشدّة العائلة الحاكمة في السعودية التي تريد إيران الإطاحة بها حسب مراقبين، و مدافع عن "الشيعة" داخل المملكة، كل هذا جعل العقل الإستراتيجي الإيراني يعطي له اهتمام كبير.

رابعـا : بعـــد إعــدام " النـمــر" 

مباشرة بعد إعدامه كان الموقف الإيراني شديد اللهجة من الحكم، اعتبرته المملكة العربية السعودية تدخلا في شؤونها الداخلية، ردة فعل طهران عبّرت عن خسارتها لشخص حمل فكرها "الثوري" لسنوات طويلة داخل أهم منطقة في الخليج العربي. 

الفكر "الثوري" الذي كانت تريد إيران نشره داخل السعودية و الآن هي تسعى نحو تثبيته في سورية واليمن تمّت مواجهته مؤخرا بجدّية من حلفاء المملكة و دول مجلس التعاون الخليجي، فكانت "عاصفة الحزم" أولى الخطوات الموجّهة نحو وقف "الخطر الإيراني" في المنطقة.

بإعدام "النمر" انقطعت العلاقات الإيرانية السعودية بعد حرق سفارة هذه الأخيرة في العاصمة طهران من طرف مواطنين إيرانيين، في حالة تعبّر عن غياب كامل للأمن الإيراني أو تواطؤ مباشر منه، و تل ذلك سحب الطاقم الدبلوماسي السعودي وطرد السفير الإيراني و قطع العلاقات بين البلدين.

بعد إعدام "النمر" أيضا ردّت السعودية الاعتبار - على حسب ضنّ الكثير- لأسر الضحايا الذين أعدمتهم السلطات الإيرانية بطريقة غير مباشرة أمثال الداعية ناصر الدين سبحاني مُؤسس دعوة الإخوان المسلمين في إيران، الذي دافع عن قضايا الأكراد المسلمين الإيرانيين خاصة بعد تعرّضهم  للظلم والتهميش والإقصاء لسنوات طويلة ورفع مطالبهم لقادة "الثورة الإيرانية" و لكن بدون جدوى.

 و بعد فضحه للنظام الإيراني و معارضته الشديدة له أثناء حربه مع النظام العراقي، أتهم  ناصر الدين بعدها بمعاداة الثورة الإيرانية، فكان هذا أول مؤشر مُهدد لحياته، وعندما ردّا على كتاب الخميني "الحكومة الإسلامية" تم اعتقاله مباشرة سنة 1989م و اختفى بعدها في ظروف غامضة، و بعد سنة من اعتقاله تمّ إبلاغ "غاليندو بول" الممثل الخاص للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لدى إيران بإعدامه يوم عيد الأضحى المبارك شهر أفريل سنة 1990م. 

الطريقة التي أعدم بها "ناصر الدين سبحاني" عبّرت عن مدى رفض الحاكم الإيراني لكل نشاط " سني" داخل بلده، وبالرغم من مرور سنوات طويلة على ذلك مازال يتبع نفس السلوك، لأنـّه يرى  فيه خطرا على المكون "الشيعي"، هذه الرؤية تشبه  تلك التي قدّمتها السعودية للرأي العام العربي و العالمي عندما أعدمت "النمر"، فهي أيضا ترفض أية نشاط "شيعي" يهدد المكون "السني" داخل المملكة، وبالتالي نحن هنا أمام تنافس و مواجهة غير مباشرة بين الطرفين، انتقلت من درجة الخلاف حول قضايا إقليمية إلى درجة التوتر بعد "عاصفة الحزم"، ثم إلى درجة الأزمة بعد قطع العلاقات بين البلدين و استقرت على هذا، ثم عندما تنفجر الأزمة حتمًا ستنتقل إلى درجة الصراع بين الطرفين ثم إلى الدرجة النهائية و هي الحرب المسلحة المباشرة،عندما يتعنّت أحد الأطرف سيتعامل معه الطرف الآخر  باللاعقلانية، وبالتالي هنا سيتجه الوضع إلى الفوضى.

الذي نريده في النهاية بعد انقطاع العلاقات بين البلدين و ربّما سيتطور الوضع إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين و لا نتمنى ذلك، هو أنّ المنطقة العربية و في ظل الحروب التي تعيشها الآن و الضحية دائما هي الشعوب من الأطفال و النساء و الشيوخ، و ما نتج عنها من فقر و مجاعة و أمراض ثم موت غامض، فإننا نرفض على الإطلاق نشوب حرب جديدة في نفس المنطقة بين السعودية و إيران تبيد الملايين من المسلمين سواء كانوا سنة أو شيعة أو غير ذلك لا تهمنا التصنيفات، هناك مسلم واحد حقيقي و هو الذي يؤمن بكتاب الله و سنة رسوله من لم يؤمن بهذا فهو ليس مسلم.

و لذلك على كل الأطراف التعقل و إتباع أسلوب الحوار و حلّ المشاكل بالطرق السلمية و الدبلوماسية بعيدا عن الحروب، يكفي ألمًا الذي تعيشه شعوبنا اليوم، يكفي قتلا و دمارا وتهجيرا وتفريغ بلداننا من مواطنيها، لا نريد التهديم و البناء من جديد، إنما نريد  الازدهار و الرُقي والعدالة والمساواة والحرية والأخوّة لعالمنا الإسلامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب و باحث جزائري.
Mohamed_tennah_59@outlook.com 
https://www.facebook.com/mohamed.tennah