هناك حدوتة صينية قديمة تقول: إن إمبراطور الصين قرر بناء جسر يربط بين العاصمة والريف، ورصد له ميزانية ضخمة، وبدأ العمل في بناء الجسر .

لم تكن هناك مشكلة في النقود، فقد كانت كثيرة، إنما المشكلة كانت في النفوس التي كانت خرابا، ومن هنا بدأت السرقات، وأثرى كل من عمل في هذا الجسر، حتى نشأت طبقة من الأغنياء، سميت بأغنياء الجسر، وحين انتهى الجسر كان نصف ميزانيته قد وصل لجيب اللصوص.

أما الجسر نفسه فكان يتأرجح يمينا ويسارا ويوشك أن ينهار، وسمع الإمبراطور شائعات كثيرة عن الجسر، فطلب تقريرا من رئيس وزرائه، وكلف رئيس الوزراء وزيرا بعمل التقرير، وكلف الوزير ضابطا كبيرا بإعداده، وعهد هذا الضابط الكبير إلى ضابط صغير بالمهمة.

وكان هذا الضابط أمينا فكتب الحقيقة وقال: إن الجسر يتأرجح، وإن أجزاء منه تسقط، وإن الفلاحين يعبرونه جريا خوفا من انهياره، وذهب الضابط الصغير إلى رئيسه بالتقرير فقرأ رئيسه التقرير ووضعه جانبا، وقال: هذا كلام يصعب على الإمبراطور سماعه، خفف التقرير قليلا، قائلا: ولا تكن متشائما لهذا الحد.

وعاد الضابط يكتب تقريرا جديدا خفف فيه من وصفه لحالة الجسر وقال: إن الجسر يتمايل قليلا، رغم ثباته، وهناك ثقوب فيه يخشى منها على العابرين، رغم أن أحدا لم يسقط، وذهب بالتقرير إلى رئيسه فذهب به إلى الوزير فقرأه الوزير، وقال: ما هذا الكلام! إن جلالة الإمبراطور مهتم بهذا الجسر اهتماما خاصا، والتقرير يوحي بالتشاؤم خففوا التقرير.

وعاد التقرير إلى الضابط فزاد من تخفيفه، وأعاده إلى الضابط الذي سلمه للوزير، فرفعه لرئيس الوزراء، ولكن الأخير قرأ التقرير وطالب بتخفيف لهجته وعاد التقرير إلى الضابط فكتبه بأسلوب ساخر.

قال: إن الجسر يتمايل مع النسيم العليل يمينا ويسارا، وذلك لكي يستمتع العابرون بالهواء الذي يهب من جميع الاتجاهات، أما الثغرات التي حصلت للجسر فكانت فرصة طيبة لمن يريد أن يستحم في مياه النهر وهو يعبر الجسر.

أخيرا رفع التقرير إلى الإمبراطور، فقرأه سعيدا، وقرر زيارة الجسر، وحين ذهب لم يكن الجسر هناك! سأل الفلاحين: أين ذهب الجسر؟ فأشاروا إلى قاع النهر.

انظر حولك؛ ستجد هذه الحدوتة تتكرر يوميا مئات المرات، وستجد الفرد الأمين، وكذلك العشرات من اللصوص الذين أثروا وشبعوا من دماء شعوبهم، وستجد التقارير، سواء في الصحف والمجلات الرسمية أو التي تصم آذاننا ليل نهار في المجالس النيابية والتشريعية الرقابية، وكلها صورة طبق الأصل من تقرير هذا الجسر.

وستجد إمبراطور غافلا عن شعبه وهمومه، قابعا في قلعته وبرجه، لا يرى غير نفسه وجنده، ويوم يقرر أن يعرف الحقيقة سيجد الجسر قد غرق في النهر.

ربما لا تكون أخطر نتائج الفساد هي هدر المال العام والخاص، ولكنه الخلل الذي يصيب أخلاقيات العمل وقيم المجتمع.

إن القضاء على الفساد ليس قرارا يتخذ، ولكنه منظومة من الأعمال والإصلاحات وإعادة بناء لأنظمة المجتمعات والدول التعليمية والاجتماعية والإدارية والوطنية.

فمتى تقول الشعوب المغلوبة على أمرها توتة توتة خلصت الحدوتة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست