لقد صار واقع الزواج ببلادنا بائسًا ومزريًا, واقعًا من التشدد والتعجيز, توجه الشباب للعزوف عن الزواج هناك من تجاوز الثلاثين ومازال لديه طموح أن يستوفي شروط القبول كعريس, لقد صارت مواصفات الزوجة المثالية بلون العين والشعر وقد صار مرتب الفتاة عاملًا محسوبًا ضمن صفقة زواجها, والنيش وما أدراك ما النيش, هذا المتحف المنزلي من الصيني والفناجين وأطقم الكاسات والتحف التي لا تخرج ولا تستعمل بغالب المنازل, يتكلف والد العروس مشقة الجمعيات والسلف ليشتري لابنته كما فعلت بنت خالتها, ثم الشبكة وأسعار الذهب الخيالية, وهذا هو واقع الزواج أمام الشباب وكما يقول العامة: واللي ممعهوش ميلزموش.

أتذكر عندما كنت صغيرًا زيجة عمي, في الصعيد, الزواج كان بمنتهى البساطة, الاختيار من بنات العم والخال والمكان غرفة بالمنزل الطيني والتجهيز لم نكن نحتاج سوى للحنة وتأكيد الميعاد مع عبد الباقي الطبال وبعض زعف النخيل والفرحة, ماديًا غرفة نوم جديدة.

لا أعرف فعندما صارت المنازل خرسانية فقدت لين الطين ولين الحياة وصارت الحياة خرسانية أيضًا, كأننا لا نصنع منازلنا هي من تصنعنا وكأننا لا نصنع السلعة هي من تصنعنا؟ صارت الحياة مليئة بالرفاهيات والمدنية ولكن لا فرحة ولا بساطة.. لقد صار الزواج كابوسًا يطارد الشباب, ليبدأ طريق الكفاح العتيد ليتزوج! هل تعرفون مشكلة مجتمعنا الحقيقية؟ مشكلتنا نحن الشباب؟ سأسرد لكم ما كتبه صاحب كتاب مباهج الفلسفة عن النسبية الأخلاقية وكيف اتجهت أوروبا للإباحية الجنسية بشكلها الحالي. إن المؤلف يتحدث عن الانقلاب المادي والثورة الصناعية التي غيرت أوروبا والعالم والبشرية, بدأ زمن الآلة والمدينة والفردية والأنانية والوحدة, يشمل النظامُ الزراعي العفةَ والزواج المبكر والترابط الأسري والاقتصار على زوجة واحدة وزيادة النسل والعيش بمنزل واحد والطعام حول مائدة واحدة, ثم حدث الانقلاب الصناعي بأوروبا وظهرت المصانع، فترك الجميع منازلهم ليعملوا بمفردهم ويأخذون أجرهم بمفردهم في أبنية موحشة وسط آلات عملاقة، ثم نمت المدن وجرفت الأرض الزراعية فأخذ الناس يحيون بين مبانيها الخرسانية وبورشها ومكاتبها الضيقة، لا يربط بينهم رابط اجتماعي إلا الركض خلف الأجر, في كل عام تظهر أنواع جديدة من الآلات تجعل الحياة أصعب تناولًا وفهمًا, لقد تأخر النضوج العقلي كثيرًا فصار من بسنّ العشرين كمن بسن الصبى في العالم الزراعي, نشأ التعليم الوظيفي وصار لزامًا أن ينبغ فيه المرء ليتعاطى مع الحياة ويفهم العصر الحديث, تأثر مع ذلك السلوك الأخلاقي فصارت المرأة تشعر بالفراغ في المنزل عما كانت عليه جدتها بالعهد الزراعي ولقد صار الإنجاب مغرمًا على الموظفين فلا تطيقه أجرتهم, فأسرة العصر الحديث تحتاج للمستشفيات وللمدارس وللتعليم الوظيفي بكل مراحله وللملاهي وللرفاهية المدنية وللاستهلاك, لهذا صار موضوع الحمل محل نظر وقد أخذ الأغلب محل الاستبعاد, وتبدو حبوب منع الحمل من أول ما أنتجته الثورة الصناعية للبشرية فغيرت من فكرة الزواج نفسها والجنس, علت فلسفة المتعة ومع النظرة المادية لكل شيء نظر للمرأة نظرة مادية, يقول المؤلف إن حياة المدينة تبعث على مثبط للزواج وتدعو للتأخير فيه أو العزوف عنه، ومع ذلك تحرض على الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها!

ثم يتطرق المؤلف لمشكلة غاية في الأهمية؛ إن النضوج الجنسي يتم مبكرًا عن النضوج الاقتصادي في العصر الحديث, إن قمع الرغبة حتى يبلغ الرجل سن الثلاثين لا مفر من أن يأخذ بالرجل للغواية والثورة, وإنه لأمر لا يطيقه الجميع, ويهدر حياة الشباب وزهرة أيامهم, بهذه الطريقة بدأت نسبية الأخلاق ونشأ جيل من الموظفين يفتخرون بتعدد خطاياهم, ثم صارت الإباحية أمرًا اجتماعيًا مقبولًا.

في كتاب مباهج الفلسفة، ينقل الكاتب هذه النظرية المشهورة بالغرب لتغيير نسبية الأخلاق, تعالوا لنرجع لمجتمعنا المسلم العربي, مازال يريد الحفاظ على قيمه ولكنه لا يعرف الفكاك أو ينساب لا إراديًا في أتراس الآلة المادية, أيها الناس.. لمَ نحمل الشباب وأنفسنا ما لا طاقة لنا به, فلست بالطبع أريد أنصار الإباحية أن ينبسوا بكلمة, ونعرف الكم الهائل من الخطايا في بلادنا والخيانات الزوجية, نعرف كمية الكبت المنفجر بالواقع الافتراضي الفيس وتويتر, نعرف بأن مجتمعنا لا يحدد هل سينجرف بأتراس الآلة فعليه تقبله بالكامل, أم سيتوقف للحظة وينظر لدينه ليسهلوا ويخففوا ويحتووا ويعملوا بدينهم, فيعادلون بين نزعة المجتمع الزراعي المحافظ ويجتنبون إباحية المدينة, نريد أخلاق القرية بينما نهرول للمدن, وأين القرية لقد اجتاح الأسمنت والاستهلاك كل واد, وتقريبًا يحتاج الشاب ما يقارب الـ70000 جنيه مصري ليتزوج أو أكثر!

هذه مشكلة مجتمعنا بخصوص الزواج, وهذا صبر شبابنا, نعيش الحياة بؤسًا بشوارع المدينة, تلك التي تصدنا عن الحلال وتعرض لنا الحرام بأرخص الأسعار والتخفيضات, وما الزواج بالنسبة للشباب, نعرف أن الحياة المدنية لا تعترف بالزواج فلقد بهتت قيمته وصار من الممكن تجنيبه لبعض الوقت, إلا أن الزواج للرجل حفظ وسكينة ودعم وللمرأة حياة وكيان ومحبة, نعرف أن المدينة تربكنا فلا نعرف من نختار, لم يعد لدينا خيارات بنات العم والخال كما سبق, لقد صارت لكل رجل مواصفاته ولكل امرأة مواصفاتها, نعرف أن المدينة تشيطن البشر فنخاف من الاختيار, وإن كنت ممن يؤمنون بأن الأرواح جنود مجندة وأننا سنجد من تعيني وتفهمني إلا أن جدي وجدك لم تكن هكذا مرجعية اختياره. لا أعني بكلامي أن نتنازل عن متطلبات الحياة المادية للزواج, وأن يعود الأمر بأن يتزوج كل شخص بغرفته وأن نترك وظائفنا ونعود لبساطة القدم ونترك رفاهية المدينة, أنا فقط طرحت عليكم أننا في وضع رمادي بين فكي نظام حياتين, والنظام الذي نحياه ونركض فيه لا يناسبنا حله ولن تناسبنا الإباحية، وكذلك من المؤسف أن نترك عشريناتنا تهدر دون حياة وتلبية للنداء البيولوجي. خاتمة القول إننا في مشكلة نحن سببها ونتيجتها في نفس الوقت, مشكلة لا نتصورها ولا نفهمها كثيرًا, ولا نعرف حلها, هل التوازن هو الحل؟ لا أعرف! ولكن يا أخي ويا أختي أجد الحل إسلاميًا والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست