لا ليس عنوانا مثيرا بهدف جذب القراء ليكتشفوا بعد دخولهم أنني أشرح لهم كم أنك رائع ومختلف عن الآخرين, وليست حيلة للسخرية من مهاجميك عن طريق وضع كلامهم في عنوان المقال ثم الرد عليهم. لكني للأسف سوف أنتقدك, وهو الأمر الذي لم أتخيل في حياتي أن أفعله معك أنت بالذات؛ فأنا ابن مدرستك الكتابية والأخلاقية أيضًا, وأعتبرك ثورة أدبية لن تتكرر مهما حاول البعض تقليدك, لكني سأكتب ما يمليه عليّ ضميري وسأقبل شتائم محبيك راضيًا محتسبًا؛ لا لأنهم على حق, ولكن لإدراكي مكانتك الكبيرة لديهم, فضلًا عن أنهم لم يعتادوا أن يروا من يهاجمك, لدرجة جعلت بعضهم يظن أنك معصوم لا تخطئ؛ لذا كان لزامًا على محب لك أن يواجهك بأخطائك, أو ما يعتقد أنها أخطاؤك لتحاول تصحيحها إن أردت، فصديقك من صدقك.

لم يكن في نيتي مناقشة انحيازاتك السياسية والأيدلوجية، لأنني أعرفها وتقبلتها في الماضي من منطلق أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية, والحقيقة أنني سمعت كل رأي فيهم على حدة في فترات مختلفة, لذلك كان وقع تلك الآراء بسيطًا على رأيي فيك. لكني حين جمعتها كقطع “البازل” وجدت أنها تؤدي إلى صورة لم أكن أريدها لك،لم أحبها، ولم أتقبلها.

وبخاصة أن إحدى قطع “البازل” كانت صادمة بالنسبة لي وما زلت أحاول التعافي من أثرها حتى الآن، وهي تمثل موقفك السياسي من “اعتصام رابعة” الذي رأيته سقوطًا أخلاقيًا مدويًا لك, صحيح أنك نعيت شهداء الاعتصام, وصحيح أنك انتقدت عنف السلطة, وصحيح أنك هاجمت الفاشية ضد المعتصمين لكنك عدت لتقول في جزء آخر من مقالك المعنون “عزاء بالجملة”: “كان بوسع الداخلية أن تحاصر الاعتصام بإحكام ولا تسمح بدخول الطعام والماء والوقود، فقط تسمح بخروج من يريد أن يخرج”. بما يعني أنك كنت تؤيد هذا الحل -وهو بالصدفة نفس الحل الذي تبناه نسرك المزيف إياه- ولو كنت ترى بالفعل أن هذا هو الحل، فأين حق الإنسان في التظاهر أو الاعتصام؟ ناقشت الحلول الموضوعة لفضه ولم تناقش مدى شرعية فضه من الأساس! مع أنك تقول في نفس المقال إنك لم تعتبر 30 يونيو انقلابًا بسبب الملايين التي خرجت ضد مرسي! وطالما أن هذا رأيك في الاحتجاجات المناهضة لمرسي، فإنه يجبرنا أن نسأل ببراءة: لماذا لم نرك تطالب بقطع المياه والطعام والوقود عن معتصمي التحرير والاتحادية في 30 يونيو؟!

قد تقول أنت أو أحد محبيك إن اعتصامي رابعة والنهضة كانا مسلحين بينما اعتصامي التحرير والاتحادية لم يكونا كذلك. مع أن وزارة الداخلية بجلالة قدرها لم تخرج أحرازًا بعد فض الاعتصام سوى 10بندقيات آلية و29 خرطوش تقريبًا. وهذا عدد لا يُذكر في ظل وجود مئات الآلاف (على فرض صحته). تقول أيضًا إنك رأيت إسلاميين يمسكون السلاح, ورأيت ضباط شرطة يقتلون المتظاهرين كما لو كانوا في رحلة لصيد البط، والسؤال: هل لو كان هناك هذه الكمية من السلاح لدى المعتصمين، أكانت أعداد ضحايا الشرطة تكون بهذا القدر القليل جدًا؟! أكان الفض سيمثل نزهة للضباط يستمتعون فيها بوقتهم في صيد البط “المعتصمين” دون أية مقاومة؟

ألست أنت القائل إن: “مرسى طبيب حاول أن يجري جراحة بلا مشرط ولا جفت ولا تخدير، بينما الممرضات ينهلن عليه ضربًا”. وذكرت في سلسلة مقالاتك المعنونة “يحدث غدًا” عددًا من الأسباب غالبيتها في صالح “مرسي” تقريبًا, ثم خلصت في نهاية السلسلة إلى مطالبته بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بدلًا من أن تطالب “الممرضات” بالتعاون معه. وبررت ذلك بأن “البلد لن تهدأ طوال حكم مرسي”، وكأن هذا سبب كافٍ لإسقاط أي رئيس جاء بانتخابات نزيهة. هل هدأت البلد الآن؟! هل نراك تطالب بانتخابات مبكرة في مقال لك غدًا؟

ليس غرضي مطلقًا أن أنتقدك لأنك لم تكن مع “مرسي”، فتلك ليست بالمسألة المهمة، ولكن يعنيني أن أظهر مدى فساد بعض استدلالاتك التي “تمر” على بعض قرائك مرور الكرام لثقتهم بك ثقة عمياء, بل ويتبرع بعضهم بمهاجمة من ينتقد أفكارك -التي تكون أحيانًا رمادية جدًا- بدعوى أن “الراجل محايد أهو, عايزين إيه بقه”! حتى أنت شخصيًا اتهمت من يقول إنك تمسك العصا من المنتصف بـأنهم “حمقى”, ولم تستطع دفع تلك التهمة عن نفسك, وأنت القائل أن “الفارق بين إمساك العصا من منتصفها والرقص على السلم واهٍ جدًا ولا يدركه إلا المحظوظون”!

لم تغمرني المفاجأة حين عرفت انحيازاتك الناصرية, فأنا أعرف هذا منذ سنوات وسنوات، وقلت بأعلى المقال إني تقبلته, حقك أن تكون ناصريًا أو ماركسيًا أو إخوانيًا ولا يتدخل أحد في هذا. وبرغم أنني لا أعرف كيف لمن في علمك وثقافتك وإدراكك أن يؤمن بتلك الأفكار؟! لكن مادام لكل إنسان الحق في انحيازه السياسي فلن أنتقدك فيه, إلا إنه ليس من حقك أن تحاول ليّ عنق التاريخ أمام قرائك -وبعضهم صغار السن- لإثبات أن انحيازك السياسي له أسس منطقية, فضلًا عن محاولة تجميل ما لا يمكن تجميله.

من ذلك مثلًا قولك في أحد مقالاتك بعنوان (سوف ترى): “تعلم الرئيس عبد الناصر هذا الدرس بالطريقة الصعبة عام 1967؛ حيث إنه كان كلما سأل وزير الحربية عبد الحكيم عامر عن مدى استعداده لصد الهجمة الإسرائيلية القادمة قال “عامر” وهو يشير لعنقه “رقبتي”، وهي إيماءة تعني أنه يعد بحياته, وعندما تسلى الطيران الإسرائيلي على الجيش المصري كله في 5يونيو 1967 تأكد عبد الناصر أن عبد الحكيم عامر كان يقصد أن رقبته ستطير لو حدث هجوم إسرائيلي”.
والمشكلة أن المضمون الذي تريد أن توصله من تلك القصة إن أغلب المسوؤلية عن “النكسة” تقع على عاتق “عبد الحكيم عامر” وليس “عبد الناصر”. وهي مغالطة فادحة. ومن الابتذال أن نناقش مسائل قُتلت بحثًا. ولكن احترامًا للأجيال الصغيرة التي تصدق كل ما تقرأه إذا ما احترمت شخصية الكاتب, فإنني أقول إن قصتك صحيحة لكنها ليست كاملة ولا تبرئ عبد الناصر بل تدينه فالقصة -بحسب “الجمسي”- أن هيئة عمليات الجيش أبلغت رئيس الأركان -الفريق محمود فوزي- أن الجيش لا يستطيع أن يدخل حربًا مع إسرائيل لمدة طويلة، وأن المواجهة مستحيلة (في ظل وجود قواتنا الأساسية في اليمن)، فأخذ “عامر” هذا التقرير وبدلًا من عرضه على “ناصر” قال له “رقبتي”. صحيح إن هذا لا ينفي مسئولية “عامر”، لكن من الذي أرسل قواتنا لليمن في مغامرة سخيفة بدون معنى سوى ادعاء الزعامات الفارغة؟

وبعيدًا عن ذلك فإن “عبد الناصر” نفسه كان ضابطًا بالقوات المسلحة ويستطيع أن يتأكد من صحة ما يسمعه من تقارير سواء بسلطاته الواسعة أو بخبرته العسكرية السابقة، لكننا نحب أن نبرئ أصنامنا حتى ولو على حساب الحياد التاريخي.

وعلى فرض أن القصة حدثت كما رويتها بالضبط, فإن تقصير “عبد الحكيم عامر” في عمله يحاسب عليه عبد الناصر, استنادًا إلى أنه هو الرئيس والمسئول أمام الشعب، فضلًا على أنه هناك عشرات النظريات القانونية التي تُلقي بتبعة خطأ المسئول المخطئ على الرئيس مثل: “مسئولية الرئيس عن أعمال مرؤوسيه” و”مسئولية المتبوع عن أعمال التابع” أو “مسئولية متولي الرقابة”…إلخ. وهذه النظريات كلها اعترف بها المجلس الدستوري الفرنسي ومحكمة النقض الفرنسية فضلًا عن كافة دساتير العالم، وتبرر تلك المسئولية القانونية بأن “هؤلاء المسئولين يعملون وفقًا لتوجيهات الرئيس وللخطة التي وضعها لهم، وبالتالي تقوم مسئوليته إن هو قصَّر في الرقابة على أدائهم”.

والمثير للاستغراب أنك أنت القائل في مقالك “يحدث غدًا” بعد أن استعرضت عشرات الوقائع التي استهدفت إفشال “مرسي” -لا أعفيه من الخطأ طبعًا- كان عليه أن يهزم هذه القوى أو يعلن للشعب أسباب فشله ويرحل. هو مسئول فى النهاية عن انقطاع الكهرباء والسولار ومياه النيل والأمن. عندما قلت للممتحن أن التيار الكهربى انقطع فى دارنا وأن جارنا مات أمس، قال لي: “لا تعنينى هذه الأعذار, فى النهاية أنا أمتحنك أنت”!

في أكثر من مناسبة أخرى تؤكد أنه لولا “عبد الناصر” لما سُمح لأبناء عامة الشعب مثلك أن ينالوا الحق في التعليم، وكأنك تريد أن تقول “لولا عبد الناصر لما كان هناك أحمد خالد توفيق”. وهو أمر لا نقبله -نحن محبيك- لذلك لابد بالطبع أن نشكر “عبد الناصر” الذي سمح لمثلك أن يظهر وينال حظه والمفاجأة غير السارة -بالنسبة لي- أنني سمعت نفس الكلمة بالضبط وبحذافيرها ودون تغيير في الصياغة من الكاتب “يوسف القعيد”، فقال سيادته في حوار أنه لولا “عبد الناصر” لما سمع عنه أحد, ولظل في بلدته بالبحيرة يمارس حياته كأي فلاح عاديّ والواقع أن ما قاله “القعيد” يعتبر من مساوئ “عبد الناصر” لا من محاسنه التي ينبغي أن نشكره عليها.

وعمومًا فإنك يا “د. أحمد” تتحدث بامتنان كبير في هذه النقطة وكأن “عبد الناصر” انفق من جيبه على تعليمك أو فك الوديعة المودعة باسمه في البريد من أجل هذا الهدف المتسم بالنبل، وكأن هذا ليس حقًا دستوريًا تقره جميع الدول بصرف النظر طبعًا عن “جودة” التعليم الناصري التي يدركها كل من تعلم في تلك المنظومة الخربة, أما مقتضى كلامك، هو أنك لم تكن لتستطيع أن تنال التعليم في العهد الملكي، لذلك يجب أن نسأل: كيف التحق “عبد الناصر” نفسه بالكلية الحربية ومن قبلها كلية الحقوق؟ هذه القناعات الواردة بفيلم “رُد قلبي” لا تليق بمن هم في مكانتك، وإن رآها تناسبه فلا يليق أن يروجها لقرائه الذين وثقوا فيه وأعطوه عقولهم بلا بحث وراءه.

هناك من سوف يأتي لي بمقالات لك تنتقد فيها “عبد الناصر” في جوانب أخرى من حكمه لكي يحرجني ويضعني في خانة المتحامل “المكبوس” الذي يبحث عن طريقة لإخفاء “كبسته”، ولكن هذه المقالات أعرفها وقرأتها كثيرًا. وهي لا تعطيك صك “الحيادية” بل تدينك؛ لأنك تقر بوجود أخطاء كارثية في دولة “عبد الناصر”، ولكنك مازلت تعشقها وتفتخر بها وتجد لها التبريرات بمنطق “هي وحشة بس هشربها برضو”!

أما عن علاقاتك بزملاء المهنة، فيمكن أن أقر بعدم ارتياحي لعلاقتك مع “د. علاء الأسواني” و”د. يوسف زيدان” وانعكاس هؤلاء -سلبًا- على كتاباتك, وهو ما ظهر بقوة من خلال نشرك لروايات تتسم بمسحات جنسية, برغم أن ما ميّز مشوارك عن غيرك هو بعدك عن هذا الإسفاف، ولكنك كنت منبهرًا بهذين الشخصين الذين اشتهرا بدمج تلك المشاهد ضمن الروايات الخاصة بهما, ومشكلتك إنك حين تحب شخصًا تريد أن ترفعه لمصاف الأنبياء، “تجربتك مع حمدين صباحي أفضل مثال”. أيًا ما كان فهناك من يحبون هذا النوع ويرون أن الروايات مكان جيد لقصص من تلك التي تنشر بالمواقع الإباحية تحت عناوين مثل “قصتي مع ابنة خالتي الجميلة” و”أنا ومدرسة الكيمياء الخاصة بي” ولكني كقارئ لك، أرى أن نشر هذا الكلام ممارسة لا أخلاقية، ولا تليق بكاتب مثلك أَخَذَ توجهًا أخلاقيًا عظيمًا منذ بدايته. ولا أفرض رأيي على أحد بطبيعة الحال.

والمنطق يقول: إن اختياراتك الأدبية حق لك وحدك, وغاية ما أملكه هو ألا أقرأ كتابك الذي يخالف توجهاتي، وعلاقاتك الشخصية والأدبية لا تخصني، ولكن حين تؤدي تلك العلاقات إلى إهانة عقلي والتقليل من ثقافتي لمجرد أني أقرأ لك فهذا لا أقبله, والأكثر إيلامًا حين تأتي هذه الإهانة منك أنت فأراك تقلل من نفسك بدعوى التواضع بطريقة لا تخلو من “ذلة” و”مهانة” وهذا شأنك أيضًا، وإن كان لا يعجبني. ثم تقول في ندوة موجهًا حديثك لـ “د. يوسف زيدان”: “شعرت أنني سباك ولست كاتبًا حين قرأت روايتك عزازيل”. وكان سؤالي حين رأيت الفيديو: ولماذا أهين نفسي وعقلي من أجل القراءة لشخص يرى نفسه سباكًا بجانب شخص آخر لا يملك ربع قرائه, ولم يحقق نصف نجاحه؟ ولو كنت لا أعرف “د. يوسف زيدان” لكني أعرفك لقلت: “لأترك السباك وأقرأ لأستاذ السباك”, إذ ربما يستطيع تغيير “جلدة حنفية” مخي وإقناعي بأن المسجد الأقصى يقع بجانب “موقف عبود”, وأن هذا الكلام ورد في مخطوطة كتبها أحد المسافرين الذين جاءوا من محافظة المنوفية، ووضعها بكافتيريا الموقف للمهتمين بالتراث!

وفي السياق نفسه لا أستيطع أن أترك مقالك الذي رددت به على كلام “د. يوسف زيدان” المضحك عن المسجد الأقصى يمر دون أن أبدي اندهاشي الشديد من ردك الذي ورد تحت عنوان “عن ضربة الرحمة” وكان ملخص ما فهمته من كلامك -ويمكن للكل أن يرجع للمقال- إنك لا تستطيع نفي أو تأكيد ما قاله “زيدان” عن الأقصى ولكن كل خطئه -فقط- أنه حاول قول “الحقيقة” للناس أو (تفتيح) عيونهم عليها. وأنه يجب أن تكون هناك رقابة على “الحقائق” التي تقال لرجل الشارع. ولو كان “قول الحقيقة” هو خطأ “يوسف زيدان” فبالتأكيد أنا أنحاز له وأختلف معك، ولكن الكارثة أن ما يقوله ليس حقيقة وإنما شبهة اختلقها بعض اليهود والمستشرقين وفندها الكثير من الباحثين المسلمين لدرجة أن مخترعو الشبهة أنفسهم أصبحوا يخجلون من تكرارها مرة أخرى، وهي قديمة قدم الأزل ونُشرت بمجلة الأهرام العربي في عدد بتاريخ 18 إبريل سنة 1999 على لسان ما يسمى “رابطة الدفاع اليهودية” أي قبل 20 عاما تقريبًا وأثارت ضجة في وقتها ورد عليها الكثير من علماء الإسلام -أبرزهم “د. محمد عمارة” عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر- وانتهت القصة. أما قصة أن المسجد الأقصى بالسعودية فهي وردت في فيديو -لم يحقق أكثر من 18 ألف مشاهدة- على لسان باحث صهيوني يدعى “مردخاي كيدار” عام 2008 ورد عليها أيضا العديد من العلماء.

هذه الردود تقنعني كمسلم، وقد لا تقنع غيري، ولكن المسألة الخطيرة التي لم يتحدث عنها أغلب من ناقشوا الأمر: هل “د. زيدان” نسب لنفسه -وللمحاته إياها- هذا الجهد البحثي التاريخي الفظيع؟ بمعنى هل هو من بحث في كتب التراث وأخرج منها عددًا من الدلائل التي تدعم وجهة نظره؟ أم نقل النتيجة التي توصل لها “كيدار” دون أن يذكر اسمه؟ إن كان الأمر كذلك فإننا يجب أن نبحث في مدى التزامه بأخلاقيات البحث العلمي، مادام هناك باحثون آخرون قالوا هذا الكلام منذ 20 عاما فكيف يكرره “د. زيدان” دون أن ينسبه لصاحبه؟ إن “مردخاي” في الفيديو ينسب كلامه لـ”الواقدي وآخرين”، و”د. زيدان” في لقائه ينسبه لـ”الواقدي وآخرين” والاثنين لم يذكروا من هم هؤلاء “الآخرون”؟! وبالمناسبة فإن “الواقدي” جرى تضعيفه بإجماع علماء عصره تقريبًا.

على أية حال لا أجد مشكلة في أن يهاجم “د. زيدان” “صلاح الدين الأيوبي” أو “بيبرس” إذا قدم ما يدل على صحة مزاعمه, لكن أن يأتي شخص ويشكك في ثوابت إسلامية وردت بالقرآن الكريم، ثم أخرج أنا لأرد عليه بمنتهى “الحنان” لأنه صاحبي فهذا أمر غير مقبول, وكان الأولى بك يا “د. أحمد” أن تغضب لثوابتك أكثر من هذا، أو على الأقل لناصريتك وعروبتك. لم أطالبك أن تهاجمه أو تسبه ولكن كنت أطالبك أن تكلف نفسك وتبحث في الأمر، وترد ردًا علميًا على هذا الكلام. لكن للأسف كان مقالك معناه “ربما كان هذا الكلام صحيحًا لكن خبِّئوه عن رجل الشارع”. كيف هذا؟ هل تريد مني كمسلم أن أحلم بالصلاة في “وهم”، هل تريد أن يموت الفلسطينيون من أجل وهم؟ أم أنك تدرك أن د. زيدان مخطئ لكنك لا تجرؤ على انتقاده لأن مقتضيات الصداقة تحتم ذلك؟

ثم أتبعته بمقال “كارثيّ” عن “قناة الجزيرة” ليس كارثيًا لأنك انتقدتها فيه فهي ليست معصومة، أنا شخصيًا أرى لها العديد من الأخطاء الإعلامية الفادحة, و”عثمان آي فرح” -الذي مازال يعمل مذيعًا بها- انتقد عدم الحياد الإعلامي لقناة “الجزيرة مباشر مصر” قبل إغلاقها, لكن هناك فارق بين “نقد الأداء الإعلامي”, وبين توجيه الاتهامات “غير المنطقية” للقناة لسبب غير مفهوم, وخلطت بين العديد من المفاهيم بطريقة فظيعة, فإن كنت تعلم بهذا الخلط فتلك مصيبة, وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أعظم.

تقول في جزء من مقالك: “ما زلت أرى أن الجزيرة تغيرت، إدارتها تغيرت وسياستها تغيرت، بالفعل هناك درجة كبيرة من التشفي غير المهني, وكأن القناة تعتبر نفسها عدوًا شخصيًا لمصر، وهناك درجة مهولة من الحقد, كأنما الفرصة قد واتتها لتصفية حساباتها معنا أخيرا”. أحاول أن أتذكر أين قرأت نفس هذا الكلام عن “الجزيرة”؟ نعم تذكرت, لكني لن أدلك على من كان يكتب نفس كلامك قبل الثورة, لأني لا أحب أن أقارنك بهذه الشخصيات تقديرًا لك. لكنك خلطت -كالمعتاد- بين “مصر” باعتبارها دولةً، وبين “النظام” الذي يحكمها. فالجزيرة منحازة ضد النظام المصري هذا حقيقي ولا ينكره أحد، ولكن هل أنت ترى أن “النظام” هو “مصر”؟!

لم توضح كيف أصبحت “الجزيرة” تصنع الأحداث في مصر لتعلق عليها؟ هل كانت تفعل مثل بعض القنوات المصرية -إبان حكم “مرسي”- التي كانت تذهب لتصوير مظاهرات -لم يسمع عنها أحد- ونجدهم موجودين منذ بدء المظاهرة فضلًا عن التغطيات الملتهبة مثل “اشتعال المظاهرات ضد حكم المرشد، الشارع ملتهب”. هل تقصد هذا؟

المهم أن أغلب المذيعين الذين يغطون أحداث مصر هم مصريون بالأساس، وبالتالي اتهامك لهم بالتشفي غير منطقي، فلا أحد يتشفى في “مصر” بلده حتى ولو بانت منه بعض ملامح السعادة من فشل “النظام” الذي يعارضه, وهذه المعارضة -شئنا أم أبينا- سوف تظهر على وجهه ونبراته, ولكن الحياد الإعلامي يقتضي منه أن يكتم تلك التعبيرات، والأهم من ذلك إنك تقول بإن المذيعين يضغطون على الضيوف -المحايدين- لكي يهاجموا مصر، وهذا -تقبلها من تلميذك- هراء! لأن الجزيرة عمومًا تدرب جميع إعلامييها على “محاصرة الضيف” أيًا كان توجهه، فليس من الممكن على شاشة الجزيرة أن تخرج لتقول بعض الكلام المضحك المجتزئ الذي يساهم في “تجهيل” المشاهد، دون أن يحاصرك المذيع ليثبت ضعفك بأسئلته المنطقية “وهذا إعلاميًا من أهم أدوار المذيع”، وإذا أخذنا بـ”المشاهدات الشخصية” فأنا شخصيًا رأيت المذيع “أحمد طه” يحاصر أكثر من قيادي إخواني من الذين يريدون أن يخرجوا على شاشة القناة لقول أكليشيهات سخيفة مثل: “تحية للحراك الثوري الذي سيحرر مصر” فأصر “طه” ذات مرة على حصار الدكتور “أشرف بدر الدين” لمعرفة: ماذا بعد؟ دون ترويج “أوهام ثورية” عبر شاشة القناة.

أتفق معك أن الجزيرة ليست محايدة في ملف “اليمن” وهذا بسبب مشاركتها في التحالف الذي تتزعمه السعودية، وأنا لا أبرر هذا، أنا فقط أتفق معك، لكن بالنسبة للملف السوري، فالجزيرة حتى الآن تستضيف شخصيات مثل “شريف شحادة” وهو المدافع الأعظم عن نظام “بشار الأسد”، والرجل يظهر على القناة ليبرر القتل والتهجير الذي يمارسه نظام سيده -الذي تريد أنت إبراز انتصاراته الوهمية على القناة- ولا يعترضه أحد. فمن أين أتيت بنظرية عدم حياد القناة في هذا الملف؟

أما عن استضافة جانب واحد -على الأقل في مصر- فهو شيء مبرر تمامًا؛ ببساطة لأن النظام يعتبر تعامل الناس مع تلك القناة بمثابة الخيانة, فضلًا عن إغلاق مكتبها في القاهرة. فمن أين إذن تأتي بمؤيدين؟ ومع ذلك فالقناة لم تدخر جهدًا, وكانت تستضيف شخصيات مثل “سليمان الحكيم” و”أحمد عبد الحفيظ” و”مجدي شندي” و”ياسر الهواري” و”مجدي حمدان” و”محمود عطية” ليبرروا القتل ويخوضوا في الأعراض ولم يعترضهم أحد. الشيخ “سالم عبد الجليل” نفسه الذي تسرب له فيديو يحرض على فض الاعتصام استضافوه في لقاء مطول ليوضح موقفه، إذن ما تقوله يا د. أحمد له اسم ولكني لن أذكره احترامًا وتقديرًا لمكانتك. هل تنكر أن تلك الأسماء التي ذكرتها كانت تظهر بشكل يومي على القناة؟ حتى الآن ما زالت بعض الوجوه المؤيدة -نوعًا- للنظام مثل “د. حسن نافعة” تظهر على القناة بشكل دوري.

لا بأس أن تنتقد الجزيرة أو غيرها, لكن يجب عليك أن تنتقد نقدًا موضوعيًا لا أن تجتزئ الحقائق لكي تثبت وجهة نظر معينة. قلت في نفس المقال “لو أن الإعلام المصري كان صادقًا أو عاقلًا أو –على الأقل– إعلامًا لاستطاع أن يصمد أمام الجزيرة، لكنه للأسف إعلام ضعيف، كذوب، غير احترافي” ثم ذهبت بعدها بأيام لتظهر في حوار طويل على هذا الإعلام الضعيف الكذوب غير الاحترافي!

وفي هذا اللقاء تمنيت أن تنزع التعصب من عقول الناس وتضع بدلًا منه “العلم” مع أنك حين هاجمك الناس على مقال بعنوان “أباحة” نظرًا لاستخدامك بعض الألفاظ والشتائم التي لا تليق بك تعصبت لرأيك. وحاول بعض محبيك أن يدافعوا عنك عن طريق الادعاء بأنك لست كاتب المقال. وبدلًا من شكرهم على حسن ظنهم فيك، كتبت مقالًا آخر تنتقد فيه قراءك الذين لم يعجبهم المقال الأول. وسخرت منهم وممن نفوا نسبة المقال لك وأصررت على ما ورد فيه.

في النهاية فقد كتبت هذا الكلام, لأنه وضح من أغلب تلك الوقائع أنك ترى نفسك على الحق المطلق, وقبل ذلك كنت تراجع نفسك وتعترف بما أخطأت فيه، لكنك وصلت للمرحلة التي ترى نفسك فيها أكبر من النقد, أكبر من أن يقول لك أحد: “أنت مخطئ يا د. أحمد”.وأكرر أني ما زلت أحبك وأحترمك, ما زال فأسي الأخلاقي يأبى تحطيم صورتك الجميلة, ما زلت أحسن الظن ولن أسيئه أبدًا, لن أقول إنك بعتنا أو خذلتنا وانحزت للسلطة, لأني أعرف أنك لست من هذا النوع, ولكنك الآن بحاجة لمراجعة نفسك.. صدقني ما قلته ليس كلامي وحدي, وليس كلام كل قرائك أيضًا, فلست المتحدث الرسمي باسمهم, لكنه على الأقل يمثل وجهة نظر قطاع “معتبر من قرائك”.

الآن فقد قلت ما عندي, وحان دور قرائك ليدافعوا عنك أو ينتقدوا كلامي أو يسبوني أو يتجاهلوا المقال بمنطق د. يوسف زيدان, حين يفشل في الرد فيقول في رصانة: “الرد على التفاهة تفاهة”. كل الآراء عندي لها احترامها حتى لو وصلت إلى حد السباب. فقد أصبح سرطانا أخلاقيا ينتشر بين الناس, ولا مشكلة أن يصيب جزءا من قرائك ولو كان صغيرًا.

وقانا الله شر عبادة الأشخاص والجماعات.

مصادر استعان بها الكاتب:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست