“التعليم أن تبقى حتى تفهم” ـ روبرت فيرست

في البدء، أعرف أنه درب من دروب الوقاحة الحديث عن التعليم في بلد تحتل المركز 141 في قائمة مكونة من 144 دولة لجودة التعليم. إن سألك أحد عن التعليم في مصر فأخبره أنها الدولة 141 من حيث جودة التعليم.

ولكن ما دامت هناك مؤسسات تطلق على نفسها وصف تعليمية، وطالما هناك دائرة صغيرة تُسحل فيها بوصفك طالبا، حسنا إذا لنسرد خسائرنا في هذا الشأن.

أنا منة التلاوي طالبة بالفرقة الرابعة كلية الحقوق قسم اللغة الإنجليزية، أعتقد أن رحلتي التي التي قاربت على الاكتمال تتيح لي صورة بها شيء من إنصاف. بعد بضعة أشهر سأكتسب وصفا جديدة: “خريجة”. التحقت بالتعليم وغادرته بلا (ولا شيء).

أعمارنا، وحياة مع وقف التنفيذ

يقضي الطالب، إذا استثنينا مرحلتي الابتدائية والإعدادية (متوسط 7 سنوات)، أي: 65 شهرا، أي: 1680 يوم ـ وذلك بعد خصم الإجازات ـ يدرس أو المفترض أنه يدرس.أستطيع أن أجزم أني قضيت ما لا يقل أبدا عن الثمانية ألف ساعة في دراسة مقررات لم تسفر عن شيء ألبتة. وأنا على وشك التخرج، أستطيع أن أعترف أن مجرد التفكير في ذلك العمر الذى انقضى يؤرقني، أنا التي أكره قلة الإنجاز على تفاهة إنجازاتي. أستطيع أن أقر أنني ندمت، وبشدة عن مجموعي بالثانوية العامة تلك الـ 94% التي لم تنفعني بشيء حينها، ولا نفع لها الآن. وأستطيع أن أقر أيضا أنني لا أفقه في القانون شيئا يذكر، رغم اقتراب موعد تخرجي بتقدير ليس بالسيئ. ذلك البلد أوهمني أنه يقدم لي التعليم، وأوهمته أني أتعلم، وكان غرض كلينا (شهادة)، ومن ثم ابتسم كلانا للآخر، وهو يعلم أن حتى تلك الشهادة لن تفيد.

كل ما فعلته ـ وفعله غيري ـ في هذه السنين هو التوقف عن ممارسة الحياة: لا سفر في فترة الدراسة، لا عمل؛ لأنه سيعطل عن الدراسة، لا كتابة؛ لأنها ستشغلني بدورها، لا قراءة؛ لأنها ستسرق وقتي، لا كورسات تنمية مهارات، الكورسات المتاحة كورسات الدراسة. حتى الوقت الذي لم نقضه في الدراسة قضيناه تحسرا عليها. سيدي ذلك اللاشيء! هذا يقتلنا! سيرد السيد: حسنا، وهو المطلوب.

الامتحانات، موسم الهلع

ما إن تبتدأ فترة الامتحانات حتى تضج مواقع التواصل بالمنشورات الساخرة والكوميكس، وما إلى ذلك، بين التحسر على ما فات، والسخرية من ردة فعل الأهل لحظة النتيجة، وسخرية على كميات المناهج التي ستحفظ، وليس هناك وسيلة أخرى للتعامل معها سوى الحفظ والانكباب على كل مهرب من ذلك الكابوس. إن نحيت السخرية جانبا سترى هلعا حقيقيا. سترى أن النجاة أصبحت مطلبا نفسيا مجرد النجاة، النجاة من كل شيء: من الموت، من الاعتقال، من الاختطاف، من الاختفاء القسري، من لجنة الامتحان، من الفشل.

الشيء الوحيد الذي تحترف ارتكابه هو الهرب ولا شيء أكثر.

لا أستطيع في هذه الحالة أن أغض الطرف عن قصة الطالبة ميادة محمد التي وافتها المنية داخل لجنة امتحانها حين أخذ المراقب منها الورقة؛ لأن هاتفها رن داخل اللجنة، فذهبت لملاحقته لتقع إثر سكتة قلبية، رغم أنها من أوائل دفعتها! تأمل الخبر قليلا لتعرف كيف صنعنا من أبسط الأشياء مقاصلا لنا!

خدعة عدي السنة علشان ترتاح

اجتهد الآن ترتح غدا، سيعلن لك الجميع ذلك الاكتشاف الباهر، سيتبعون معك أسلوب الدفع، وكأن كل العيب في هذه السنة، ما إن تنقضي سنتك تلك فسترى الشمس تشرق من كم قميصك وتفوح رائحة الأزهار، يوما ما ستحلو الحياة، ليس ثمة كذب، هل حدد أحدهم يوما بعينه لك!

ما إن تنقضي سنون دراستك حتى تكتشف أنه حان وقت البدء من جديد، وقت التعلم.
ستكتشف أكثر من كورس لأكثر من مجال، ستتعلم من جديد، حتى يتثنى لك الرحيل خارج البلد، أو العمل في داخلها إن أستطعت، ستكتشف أنك فوت على نفسك الكثير والكثير جدا من الفرص، وأنك حبست نفسك في دائرة ضيقة، ولم تخرج منها سوى باعتلال نفسي وطاقة منهكة.

هذا المقال ليس غرضه أبدا سد أبواب الدنيا في وجهك ربما قصد فتح الباب لك، أخرج نفسك من الأكذوبة تلك. الأنظمة التي سعت جهدها لتخرج علينا بمثقف فارغ ومتدين منافق ومواطن فاسد بالطبع يؤذيها أن تتعلم. اقرأ يا صديقي اقرأ كثيرا؛ لن تندم قط على كتاب قرأته، سافر متى سنحت لك الفرصة سفرا تطوعيا أو ترفيهيا، ابحث عن أسعار السفر ستندهش، سافر لترى. تعلم ما أردت تعلمه، إتقان الحياكة يتطلب ستة آلاف ساعة، وإتقان الطهي أربعة عشر ألف ساعة. لشغفك عليك حق، استقطع وقتا لشغفك، مارس كل موهبة لك.

اهرب من تعليم إلزامي لتتعلم كل ما أردت لتتعلم تعلما صحيحا. وتذكر حين تكون على فراش الموت ستندم على كل ما فاتك من الحياة، ولكن لا يمكن أبدا أن تندم على نتيجة اختبار أو فشل دراسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست