ربما 5 سنوات مرت على حدث بضخامة ثورة 25 يناير هي مدة كافية للنظر في ذلك الحدث بشكل أعمق ولأنني لم أكن مشاركًا فيها منذ البداية بقدر ما كنت متابعًا مباشرًا لها وداعمًا لأفكارها التي لا يختلف على دعمها أحد من العقلاء من أصحاب الفطر السليمة والعقول المستنيرة.

وربما عدم مشاركتي بها تجعلني أتعامل معها كما يقولوا إخواننا الإنجليز بشكل “Cool-Minded” أو بعقل بارد دون مشاعر قد تجعلني متحيزًا عند تقييمها أو بالأحرى عند ذكر تقييمي الشخصي لها، فالأحداث الكبرى من الصعب بل من المستحيل أن نقف عند تقييم فرد واحد لها؛ لأنه – مهما بلغ عمق تقييمه – فهو لن يغطي جميع جوانب الحدث الذي شارك فيه ملايين الشعب المصري وتابعه العالم كله عن كثب.

ولذا فإني أعلن من البداية أن ما سأذكره ليس إلا رأيي الشخصي المتواضع الذي يحمل من الخطأ بقدر ما يحمل من الصواب، وكل ما أود ذكره في هذا المقال هو الإجابة على سؤال عادل إمام في أحد مسرحياته حين قال: أنا لا أعلم لماذا قمنا بالثورة؟

وسأقوم بذلك من خلال سرد زمني لأهم تأملاتي لأحداث ما قبل وأثناء وبعد ثورة يناير حتى استفتاء 19 مارس 2011، على شكل مبسط وسريع، حدث واستنتاج.

وربما يتبادر سؤال: ولماذا حتى استفتاء 19 مارس؟ ولذلك حكمة سأذكرها في حينها.

14 يناير 2011 … بن علي هرب

الحدث

في جلسة مع مجموعة أصدقاء في نفس يوم هروب بن علي نتيجة ثورة الياسمين التونسية، وهتاف المتظاهر الشهير في شوارع تونس العاصمة “بني علي هرب”، تبادر إلى ذهننا السؤال الأهم: هل الوضع في مصر سيسير على خطى تونس؟ أو بمعنى أبسط: “هل فعلا الإجابة تونس؟!” وكان الجواب متأرجحًا بين نعم ولا، ولكن الأكثرية كانت إجابتها: مصر ليست تونس.

التعليق

ليس هناك توقع لقيام المصريين بثورة على غرار التونسيين؛ لاختلاف الوضع في البلدين، تونس بها نسب أمية وفقر أقل وتعليم وإنترنت أكثر، ونظام مبارك أكثر رسوخًا من بن علي.

الاستنتاج

إذًا أسباب الثورة منها الاجتماعي ومنها الأمني، في ظل غياب واضح لتأثير النخبة السياسية؛ لأنها بالفعل كانت ميتة إكلينيكيًّا في ذلك الوقت.

25 يناير 2011 … هدوء حذر

الحدث

مظاهرات عادية ولقاء مع مجموعة أصدقاء مفاده أن الوضع مختلف عن التظاهرات السابقة ولكن ليس إلى حد الثورة، ويبقى السؤال: هل لا تزال الإجابة تونس؟! عدد من باتوا يقولون نعم يتزايد ولكن لا يزال الأمر بعيدًا إلى حد ما.

التعليق

ليست ثورة بقدر ما هي مظاهرات مختلفة وتطور نوعي في ثقافة الاحتجاج في مصر، والتعامل الأمني لا يجدي نفعًا بصورة كبيرة ولكنه يحجم من الظاهرة بصورة ما.

الاستنتاج

المطالب السياسية والحقوقية للمتظاهرين لا توسع دائرة الاحتجاج، هناك نخبة جديدة تتشكل على أيدي شباب الحركات الثورية خاصة كفاية و6 إبريل، ولا يزال هناك غياب للنخبة السياسية التقليدية.

28 يناير 2011 .. الإجابة تونس

الحدث

لدى عودتي من صلاة الجمعة، آراء المصلين ما بين الداعم بصراحة والصامت والمعارض لما يحدث باعتباره “شوية العيال هيولعوا البلد”، بينما تنقلي السريع بين الشوارع في طريق العودة كان يشي بأن شيئًا مختلفًا يحدث.

التعليق

الموضوع يتطور إلى ثورة أو احتجاجات كبيرة على الأقل وسيكون لها آثار قوية.

الاستنتاج

دخول قطاعات من الشعب غير مهتمة بالسياسة على الخط يشي بأننا أمام حراك حقيقي وليس مجرد مظاهرات، وظهور النخبة التقليدية يشي بأمرين: أن الموضوع سيستمر لأن هذه النخبة على ضعفها ولكنها تملك الخبرة على إبقاء “العركة منصوبة”، ولكن ذلك يشي بأمر آخر وهو التخوف من جر الثورة إلى دهاليز أيديولوجية مريرة.

2 فبراير 2011 .. موقعة الجمل

الحدث

جلسة في البيت مع الأسرة وحالة من الوجوم والصمت المشوب بحزن شديد، فئات مصرية تتقاتل أمام الكاميرا والبث 24 ساعة مباشرة، والانقسام يشتد ما بين “ربنا يحفظ شباب مصر” وما بين “العيال دول بيودوا البلد في داهية”.

التعليق

السهم خرج من القوس ولن يعود إلى الوراء مرة أخرى، ثورة حقيقية ولكن لا نعرف مآلاتها تحديدًا.

الاستنتاج

القوى التقليدية تبدأ في السيطرة على المشهد، النخبة الشبابية تبدأ في الظهور إعلاميًّا، على الأقل عبر الجزيرة والعربية والـ BBC، ولكن لاتزال الرايات الأيدويلوجية مختفية.

11 فبراير 2011 .. التنحي

الحدث

ليس هناك موطئ لقدم على طول كورنيش الإسكندرية من القائد إبراهيم إلى قيادة القوات البحرية المصرية برأس التين، أي ما يقارب 10 كيلو متر من الزحام الشديد.

التعليق

ثورة بلا خلاف، التنحي هو الحل، ليس هناك مطلب سوى رحيل مبارك.

الاستنتاج

لا صوت يعلو فوق صوت الثورة، الأيديولوجيات مختفية تمامًا، مصر تنتصر ولكن .. ماذا بعد؟!

12 فبراير – 19 مارس 2011 .. كل يدعي وصلًا بليلى

الحدث بل الأحداث

لقاءات مع شباب الثورة، ائتلاف ثوري لكل مواطن، مصر إسلامية أم علمانية، ثروات مبارك وأولاده، قضايا فساد حاشية مبارك، الدستور أولًا أم البرلمان أولًا، قل نعم وادخل الجنة، قل لا عشان الدولة الديمقراطية المدنية، وقالت الصناديق للإسلام نعم، الثورة ضاعت لأن الناس لم تقل لا ولأنهم لم يبدأوا بدستور جديد، هذه وغيرها كانت عنواين الصحف ومقدمات برامج التوك شو التي بات عددها أكثر من عدد من يشاهدونها.

التعليق

ثم ماذا بعد؟ ما هي نهاية ما يحدث؟ أين الحقيقة؟ بماذا نصوت بنعم أم لا؟ هذه أسئلة الشعب الذي لم يجرب سوى الحزب الواحد والرأي الواحد والاستفتاءات الشعبية داخل أروقة مجلس الشعب نيابة عن الشعب من قبل نواب لم ينتخبهم كل الشعب في انتخابات كانت غير مرئية أو Invisible.

الاستنتاج

القصة لم تكن في مبارك ولا نظامه، والثورة الحقيقية ليست في الميادين بقدر ما هي في عقول وأفكار وقيم ومنظومات التفكير الفردي والجمعي في مصر لإزالة ليس فقط 30 سنة من حكم مبارك الذي جرف عقول الناس ولعب في منظومة القيم المصرية، ولكن لإزالة مئات السنين من الفجوة الحضارية بين مصر والعالم.

باختصار، كان تاريخ 19 مارس بداية طريق جديد للإصلاح التدريجي ونهاية حالة ثورية؛ لأن الرأي بات من خلال الصناديق، ولأن التوافق الوطني في 18 يومًا، تحول يوم 19 إلى استقطاب مرير.

أنا لا أعلم لماذا قمنا بالثورة؟

تأكدت يوم أن بدأ مشوار الاستقطاب الحاد بين النخب السياسية التي أصبحت خارج إطار الزمن، فهي لا تملك مخيالًا مبدًعا، ولا تعرف كيف تفكر خارج الصندوق ولا حتى داخله، تأكدت تمامًا أن ما كان يساورني من ظنون وأنا واقف في اللجان الشعبية طيلة أيام ثورة يناير قد بات حقيقة واقعة، ويومها خرجت بمجموعة من الاستنتجات الكلية لا زلت أعيش بها، وهي محددات أرى بها الأحداث منذ 19 مارس 2011 حتى يومنا هذا، من أهمها:

  • الثورة وسيلة وليست غاية، فهي وسيلة تسرع من بداية الإصلاح ولكنها لا تحدثه، كمثل العامل الحفاز أو “Catalyst” يسرع تفاعلات الإصلاح دون أن يصنع الإصلاح بنفسه.
  • الثورة عملية تغيير دراماتيكي شديد وعنيف وفي وقت قصير غالبًا، ولذلك فهو يخضع لما تخضع له قوانين التغيير، حيث يمر بثلاثة أطوار: الأول: إذابة الجليد عن الوضع القائم “Unfreezing” ثم حالة من السيولة في مرحلته الانتقالية من الوضع القديم إلى الجديد “Transition State” ثم مرحلة إعادة التجمد على الوضع الجديد “Refreezing”، ولذا لا بد أن تدرك متى تتوقف السيولة وتبدأ التجمد.
  • الشعوب نفسها قصير، والجماهير عاطفية بطبعها، تدعم الثورات لوقت قصير لهدفين: الأول: وضع أفضل، والثاني: وضع مستقر، وإن لم يتحقق ذلك فهي ستدعم أي خيار آخر حتى لو كان العودة للوضع السابق الذي ثارت عليه، هذه ليست اشتياقًا للعبودية ولكنها طبائع الجماهير ومزاج الشعوب.
  • المطالب الثورية الفضفاضة مثل “العيش والحرية والكرامة” هي شعارات ملهمة لعواطف الجماهير ولكنها ما لم تتحول إلى طعام وشراب وكساء ودواء وتعليم وفرص عمل وطموح وأمل في المستقبل، فهي تفقد بريقها سريعًا.
  • الحالة الثورية المعترضة دائمًا تخنق أصحابها لأنها تجعلهم مصدر قلق غير مبرر في كثير من الأحيان لجموع الجماهير، وتخلق حالة من الحنق ضدهم، وهي حالة ستعزلهم عن الجماهير كلما طالت دون سبب مقنع ودون فعل حقيقي على الأرض وإنجازات تقنع الناس بأن الاعتراض ضرورة وليس فقط من باب “إني اعترض”.
  • ما بني من الفساد وهدم من القيم على مدار مئات السنين لن يصلحه الاعتراض الوقتي أو الحالة الثورية وحدها، لأن ذلك يتطلب تغييرًا حقيقيًا وإصلاحًا تدريجيًا طويلًا في عالم الأفكار المحركة للنهوض وعالم العلاقات وأنساق المجتمع وعالم الإنتاج المادي الحضاري.

ولذا؛ بات الجواب على السؤال واضحًا، لقد قامت الثورة لتبدأ مشوار الإصلاح، فهي نقطة البداية وليست النهاية، وموتها الحقيقي ليس في غياب الحالة الثورية الاحتجاجية، ولكن في توقف قطار الإصلاح ويأس المصلحين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست