ساعات قليلة فقط، فصلت بين انتهاء وقفة أولتراس أهلاوى فى ملعب مختار التتش عصر الاثنين الماضى، وبين مكالمة مطولة أجراها الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى المساء مع الإعلامى عمرو أديب، تضمنت اعترافا رئاسيا يقال بصراحة ووضوح للمرة الأولى :«أعترف أننا فشلنا حتى الآن فى التفاهم مع الشباب، وفى إدارة حوار معهم»، تبع الاعتراف دعوة مباشرة للحوار والمشاركة فى التحقيقات الخاصة بقتل مشجعى الأهلى فى استاد بورسعيد عام 2012.


مسارعة السيسى فى الحديث عن هذا الأمر، كانت لافتة للغاية، لاسيما فى «اعترافه ودعوته للحوار»، وهو ما دفع الكثيرين إلى التركيز على هاتين النقطتين، من دون شرح وتوضيح وتفسير، للأسباب التى جعلته يمسك سماعة الهاتف ليحادث الإعلامى البارز بهذه السرعة، وهل استشعر القصر الرئاسى «خطورة ما»، أطلقت فى أروقته أجراس الإنذار، فكان لابد من أن يخرج رأس السلطة ليتحدث مباشرة فى صلب الموضوع.


فى جميع الاحداث والاستحقاقات السياسية التى شهدتها البلاد، منذ 30 يونيو وحتى «وقفة التتش»، كان رهان السيسى الأساسى على فئة اخرى من المجتمع غير الشباب.. الرجال والمرأة وكبار السن، أو ما اصطلح على تسميتهم بـ«حزب الكنبة»، والذين كان كل همهم وطموحهم استعادة البلاد للاستقرار والأمن، وهو ما ظهر جليا فى تلبيتهم لنداء التفويض فى الحرب ضد «الإرهاب المحتمل»، وتمرير الدستور، وحسم معركة الرئاسة، وأخيرا انتخابات مجلس النواب.


لم يقلق السيسى كثيرا لعدم مشاركة غالبية الشباب، فى الاستحقاقات السابقة، وتحديدا فى الاستحقاق البرلمانى الأخير، حيث كانت المقاطعة واضحة وجلية، ولم يسارع إلى توجيه الجهات المختصة، لبحث ودراسة أسباب ومبررات تلك المقاطعة، ربما لأنه لم يستشعر الخطر بشكل كبير من هذا الغياب.


لكن مسارعة السيسى فى الحديث بعد وقفة «التتش»، كانت استشعارا لخطورة ما جرى فى الملعب.. فالمسألة لا تتعلق فقط بالهتافات الحادة ضد المشيرطنطاوى، لكنها تتعلق باتساع الفجوة مع هذا القطاع العريض من المجتمع، ونظرته السلبية إلى المؤسسة التى قدم منها طنطاوى والرئيس نفسه، وهو ما شكل «جرس انذار» كان على الجميع الانتباه له.


مبعث القلق والخطر من رسالة «التتش»، أنها تجاوزت حد الامتناع السلبى عن المشاركة فى الاستحقاقات السياسية التى شهدتها البلاد، إلى التعبير الحاد عن اتساع الفجوة مع أبرز مؤسسات الدولة، مثل الرئاسة والمؤسسة العسكرية، الأمرالذى أثار مخاوف حقيقية، من امكانية استغلال جماعة الإخوان لهذه المساحة، من أجل العودة مجددا إلى المشهد، على أكتاف هؤلاء الشباب الغاضب.


الخوف كان محله تماما، لاسيما ان اللافتات التى ظهرت فى مدرجات «التتش» كانت إخوانية بامتياز، والتغطية الإعلامية للحدث، تبنتها مواقع وقنوات الجماعة وأفردت لها مساحات واسعة، والرد العنيف على دعوة السيسى للحوار مع الشباب، ومحاولة إفشالها سريعا قبل أن تصل لغايتها، كانت من الشخصيات الإخوانية الهاربة، مثل محمد محسوب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس النيابية الأسبق، الذى سارع إلى «التغريد» بعد مكالمة السيسى، قائلا:«ما ينتظره شباب مصر هو رحيلك لا التفاوض معك».


إذن المسارعة فى معالجة الأزمة، كانت «فرض عين» على الرئيس، و«الاعتراف والدعوة إلى الحوار»، لا ينبغى لهما أن يظلا فى خانة «فرض الكفاية»، بل يتطلبان خطوات جادة لتفعيلهما على أرض الواقع، مثل فتح المجال العام ومعالجة أزمة الشباب المحتجزين فى السجون بدون وجه حق، ووقف التعامل معهم بنهج «الدولة الأبوية»، التى تعرف مصلحتهم أكثر منهم.


ليس هذا فقط، بل المطلوب أيضا وعلى نحو عاجل، ان يختار الرئيس مساعدا له، ليتولى أمر التواصل مع الشباب، يكون قريبا منهم أكثر من أن يكون قريبا له، أو بمعنى أوضح لا يجب ان يكون على شاكلة «بدر أو بدران».. وقتها فقط يمكن اعتبار«انذار التتش» بمثابة «كارت أصفر» يسمح للدولة مواصلة اللعب، لكن إذا تأخر الوقت بدون اتخاذ اجراءات حقيقية لإنهاء غضب الشباب، فإن «الأصفر» سيتحول إلى «أحمر» لتنتهى فورا، مبارة المستقبل فى مصر.


kh69ttt@hotmail.com