من النادر أن يختلف اثنان على الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الذي أطاحت به مظاهرات الخامس والعشرين من يناير ولكن هل حققت تلك المظاهرات أهدافها الأساسية من خبز وحرية وعدالة اجتماعية وحياة ديموقراطية؟ وهل بعدم تحقيقها لتلك الأهداف تعد ثورة فاشلة برغم نجاحها في إسقاط مبارك وعز وصفوت الشريف وسرور وغيرهم؟ عند اندلاع المظاهرات في يوم الخامس والعشرين من يناير لم أكن أحلم بأن تحقق هذه المظاهرات أكثر من حل مجلس شعب 2010 أما مبارك فكدت أقسم أنه لن يرحل قبل أن يأتي جمال مبارك، لم يكن عقلي متقبلًا لفكرة رحيله لأنني ولدت كغيري من شباب التسعينات والثمانينات ومبارك يحكم وكنت أعتقد بأني سأموت ومبارك أو ابنه يحكم ولكن في يوم الحادي عشر من فبراير حدث ما لم أكن أتوقعه إطلاقا ورحل مبارك.

ذلك التغير الشكلي في نظام الحكم لم يؤد لتحقيق أهداف الثورة بل إن ذلك التغير الشكلي قد يمنعنا أصلا من تسمية مظاهرات يناير بالثورة لأنها كانت ثورة بلا أعراف ثورية وبلا محاكمات ثورية، ثورة حكم بعدها المجلس العسكري ولم يحكم بعدها الشعب، ثورة حوكم فيها مبارك وأتباعه عن طريق قضاة نظامه هو من عينهم وعن طريق قانون نظامه هو من وضعه، وبرغم ذلك أيقظت تلك الانتفاضة الشعبية بداخلنا أشياء لم نكن على علم بوجودها بدلا من قلة قليلة تتحدث في السياسة صار المجتمع بأكمله متابعا للمشهد السياسي وبتوفير التكنولوجيا الحديثة لتويتر وفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي صار من الصعب بل من المستحيل متابعة كل من يتحدث بالسياسة وتغيرت ثقافة الشعب المصري إلى الأبد.

عندما أعلن تأييدي السابق لجمال مبارك قبل انتفاضة يناير لا يصدقني أغلب السامعين ولكن تلك الانتفاضة الشعبية غيرت من تفكيري إلى الأبد تحولت عن الرغبة في مجيء جمال مبارك لعل وعسى يكون أفضل من والده صارت طموحاتي بلا نهاية صرت مؤمنًا بأن هذا الشعب الذي أسقط مبارك لديه القدرة على إسقاط كامل لنظام مبارك ثم رحل الجميع!

ترك الجميع الميدان فارغًا منذ تلك اللحظة. أعلن الإسلاميون انتهاء الثورة وبداية مرحلة الفوز بالاستحقاقات الانتخابية وبناءً على تلك الرؤية عملوا على حصد مجالس الشعب والشورى ومؤسسة الرئاسة فيما بعد، وفي تلك الآونة كان هناك شباب مستقل يكافح بمحمد محمود وبمجلس الوزراء وماسبيرو وغيرها من الأماكن، ولكن حتى ذلك الشباب كان يعمل في سبيل إسقاط المجلس العسكري وإسقاط مرسي والإخوان فيما بعد ولم يكن يعمل في سبيل ثورة حقيقية تسقط النظام كاملًا وتعمل على تطهيره.

حكم الإخوان عامًا ذابت فيه طموحات الشعب المصري وذابت ثقة عدد كبير ممن أيدهم وأوصلهم إلى السلطة. برروا ذلك بمكافحة أجهزة “الدولة العميقة” على حد قولهم وبرروا ذلك بأن الوزارات والأجهزة العامة للدولة تعمل ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي، ولكن إذا كان الإخوان على علم بوجود هذه الأجهزة وإذا كانوا على علم بان تلك الوزارات لن تتعاون معهم فلماذا قاموا بالترشح من الأصل؟ وإذا لم يكونوا على علم فهذه مصيبة أعظم.

في بداية الخمسينات وبعد انقلاب 52 على الملك فاروق دعا محمد نجيب الإخوان للمشاركة بانتخابات برلمانية ورئاسية وانسحاب كامل للجيش المصري من الحياة السياسية ولكن اجتمع بعدها جمال عبد الناصر مع الهضيبي – مرشد الإخوان في ذلك الوقت – وقاموا في اليوم الثاني بإعلان تأييدهم الكامل لمجلس قيادة الثورة ولحكم المجلس العسكري في ذلك الوقت للبلاد وبالطبع زج بهم الرئيس عبد الناصر في السجون بعد أن انتهى من خصومه وهذه الفقرة مقتبسة من كتاب “كنت رئيسًا لمصر” لمحمد نجيب حتى لا يعارضني البعض، وإن غفرنا للإخوان تلك الأخطاء لكونهم في ذلك الحين جدد على السياسة فعمرهم اليوم 80 عامًا من الخبرة السياسية، فلماذا يقومون ثانية بالتحالف مع المجلس العسكري وتضييع انتفاضة يناير الشعبية؟ هذا الخطأ في رأيي هو الخطأ الأعظم في تاريخ الإخوان والذي ستتحدث عنه الكتب لأجيال وأجيال.

يضع المنتصر قواعد اللعبة لا الخاسر، واستمرارنا في اللعب بقواعد الخاسر كانت السبب الرئيسي في عدم تحقق تلك الأهداف.

في تلك الآونة التي تلت الثورة كما ذكرت سابقًا عارض بعضهم المجلس العسكري وكانت تلك المرة الأولى التي يظهر بها الانقسام المجتمعي ولم يتحدث إلا أقلية قليلة عن إسقاط كامل للنظام وتطهير كامل لكل مؤسسة من مؤسساته، ثم وصل الإخوان إلى الحكم وانشغل من كان منشغلًا في إسقاط المجلس العسكري بإسقاط الإخوان وكان للإخوان كغيرهم من الفصائل السياسية في هذا الوقت مؤيدوهم وبذلك نشأ الصراع بين من يؤيدهم ويعارضهم، اشتد الانقسام المجتمعي وفشل الإخوان في تحقيق إنجازات وبدأت عمليات الحشد ضدهم بالظهور، ومن كان يعارضهم كان يرى عدم وجود أية ثمار للثورة وهو مصيب في تلك الرؤية ولكنه أخطأ بطرحه رحيل الإخوان كحل للمشكلة، كما أخطأ الإخوان بترشحهم للرئاسة خوفًا من فوز محمد شفيق أو عمر سليمان، هذان الطرفان كالطبيب الذي ينجح في تقييم حالة المريض بكونها إنفلونزا ثم يعطيه دواءً لتقوية شعر الرأس.

نزل الشعب ليسقط مرسي وإسقاط مرسي حق مشروع للشعب ولكن من خلال انتخابات مبكرة أو حتى من خلال انتخابات مجلس شعب يقضي ثلثاه برحيل مرسي، وكان ذلك ممكنًا طبقًا للدستور وبالطبع كان معارضو الإخوان سينجحون نجاحًا مطلقًا في اكتساح مجلس الشعب والإطاحة بمرسي ولكن تسليم السلطة إلى المجلس العسكري ثانية ولو بشكل غير مباشر كان خطيرًا للغاية فلعب السياسة شيء واللعب بالسلاح شيء آخر تمامًا، وكما قال الرئيس السيسي: “الجيش زي النار لا تلعب بيه ولا تلعب معاه” ولكن قد لا يكون متظاهرو 30 يونيو قد أرادوا استدعاء الجيش ولكن تم استدعاؤه بشكل تلقائي كرد فعل كان معلومًا من أغلب ممارسي السياسة قبل 30 يونيو وعندما كان يطرح ذلك الـ”رد فعل” كان يجيب البعض أن “الميدان موجود وسيسهل التعامل مع رد الفعل على التعامل مع الإخوان الأغبياء”، وفي الواقع لا أستطيع الاتفاق مع المقولة السابقة إلا في الكلمتين الأخيرتين.

كان ذلك منذ سنوات قلائل ندم خلالها كل طرف على أخطائه وساءت خلالها أحوال البلاد والعباد، تبادل الأطراف الاتهامات ألقى كل طرف على الآخر بتهمة إضاعة الثورة والخيانة، اتهم الإخوان القوى المدنية ببيعهم في رابعة واتهمت القوى المدنية الإخوان ببيعهم في محمد محمود وفي الواقع لا أدرك ما الذي يباع ويشترى طبقًا لهذه الأطراف ولكن لا شك أنه كان غاليًا.

ازدادت الأوضاع سوءًا وزادت أنواع الأدوية المختلفة والخاطئة، نصح البعض المريض بدهن القدمين بالعسل الأسود يوميًّا ونصحه البعض الآخر بالعودة لشرب الماء مجددًا، صرخت هاتفا ولكن شرب الماء لم يشفه من الإنفلونزا! فأخبروني أنه لم يزد منها كدوائك العقيم فليسقط دواؤك فرددت فليسقط دواؤكم وذهبت للأخوين المتصارعين لأجدهما قد تصافحا واتفقا على أن الحل هو إسقاط الرئيس الحالي للبلاد، احمرت أذناي وقدمت لهما مقال “متى ستنهض مصر؟” وخلدت إلى النوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست