الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ هذه القاعدة المعلومة تؤسس لشيء مهم وهو أهمية تنقيح التصورات ومراجعة المواقف الفكرية والصور الذهنية حول الأشياء للتأكد من أنها تعكس حقيقة الأمور أو ما ينبغي أن تكون عليه قبل أن يباشر المرء التعامل معها والحكم عليها – حتى لا يكون حاله كحال طائر يبيض في غير عشه!-؛ وإن التربية كممارسة إنسانية تختلف تصوراتها ومبادئها وأعرافها من شخص إلى آخر ومن أمة إلى أخرى، لا تخرج عن هذه القاعدة.

في فيلم “البحث عن نيمو”، الحاصل على جائزة أوسكار، نلمس جانبا من تصور خاطئ لمفهوم التربية وعواقبه الوخيمة، حيث نشاهد ذلك الأب (السمكة) الذي يريد أن يجعل حياة ابنه مجموعة قواعد محددة لا مكان للأخطاء فيها، حتى الصغيرة منها، لا يجوز الحياد عنها أو تجاوزها، بدعوى الحماية والمصلحة! قواعد هي نتاج خبرات هذا الأب المحدودة والقاصرة وربما الخاطئة، مما يفضي بالصغير إلى أن لا يتجاوز تلك الحدود وحسب، بل وأن يقع في أعقد مشاكل كان يمكن لهذا الأب أن يتخيلها يومًا. إنها نتيجة مباشرة لوأد ذلك الشعور المتغلغل في أعماق الصغار كما الكبار، شعور الكرامة والاعتزاز بالذات، بكثرة النصح والمراقبة اللصيقة والنظام والمنع وهوس الحماية المفرطة، والتعامل مع الصغار من أفق العارف بكل شيء والوصي الذي ينبغي أن يطاع في كل صغيرة وكبيرة لأنها الأصح والأفضل، حيث يضعف ذلك الشعور الجبلي ويخفت صداه في النفس، حتى يصير الحصول على الاستجابة الجيدة للتوجيه، حتى في المواقف التي تستدعي ذلك على نحو يمنع الوقوع في خطر محتم، صعب الحدوث أو غير وارد!

إن هذا التصور السائد عن التربية، التربية كوصاية، وصاية تكاد تكون غير مشروطة على الصغير، أو نوعًا خفيًا من الاستبداد يمارس في حق الصغار، بدعوى فارق السن والتجربة والخبرة والأعراف، أو علاقة يعتبر فيها الصغار كمخلوقات ضعيفة لا إرادة حقيقية لها ولا حرية، ولا تملك سوى الإذعان والخضوع وتشرب وجهات نظر مغلقة النهايات، لا مناقشة فيها ولا مصارحة مع الصغير، ولا حتى اعتبار بأن الصغير يمكن أن يصارح ويستفهم ويؤخذ منه ويرد. كما لا مجال لدى الصغار فيها لمحاسبة الكبار على شيء، أو على جودة التعامل وأحقية فرض الرأي وأسلوب التربية الذي يتلقونه، فالكل يخضع للاجتهاد الشخصي الكامل للكبار حتى يعقِل الصغار ويرشدون! علاقة لا يمكن أو يصعب الحديث فيها عن اتهام للذات من لدن الكبار أو الاعتراف بالتقصير ما دامت شروط الرعاية الأساسية قد تحققت! إن هذا التصور السائد عن التربية خلف كثيرًا من التشوهات الفكرية والنفسية لدى الصغار، فأخرج أجيالا تعاني من ضعف الشعور بالمسئولية وضعف الثقة والاعتزاز بالهوية والذات، وتتسم بأحادية النظرة وانغلاق العقل ونمطية التفكير وصعوبة التلاؤم مع التغيير، ولا يكاد يختلف فيها الناس عن بعضهم البعض سوى في الشكل!

إن التربية ما لم تجعل الصغار يرغبون في المزيد منها فإن ذلك علامة على وجود خطب ما فيها، حيث الجذب والتأثير الناعم سمتها الأساسية والصحية، وهي حتى تكون كذلك ينبغي أن يجد فيها الصغار نوعًا من المساعدة، وتقديم الدعم والاستشارة، وإعطاء القدوة الجيدة لمعرفة المزيد عن هذا الوجود الذي قدموا إليه، وتحسين نظرتهم إليه وموقعهم فيه، دون مساس بكرامتهم أو انتقاص من قدرهم، أو تكون كهدية أشبه ما تكون بهدايا أعياد الميلاد، هدية تعطى عن حب، وتتحين المناسبات الملائمة، فلا ترد!

إن الأمر لا يحتاج سوى قياس بسيط على النفس حتى يفهم على النحو المطلوب. عندما يسدي لنا أحد خدمة فإننا نشعر بمشاعر الامتنان والشكر تجاهه، ونرغب في التعامل معه مرة أخرى. كما أنه عندما يُشعرنا شخص مهم في نظرنا عند تعاملنا معه بأننا أيضًا أشخاص مهمون وأهل احترام وتقدير، فإننا نرغب في الاقتراب منه أكثر، وربما نتخذه قدوة، وتختلجنا مشاعر الثقة والاقتدار ونحن بجانبه. بينما تجتاحنا كل المشاعر السيئة حين يحدث العكس.

إن شعور الصغار لا يختلف في شيء عن شعور الكبار، بل هو أرهف وأكثر حساسية. فعندما نقدم لطفل صغير شيئًا يشعره بالرضا والفرح، حتى لو كان ذلك طرفة لطيفة أو قراءة قصة قصيرة، فإننا نرى في عينيه نظرات الامتنان و العرفان، بأصدق وأبلغ تعبير، ولطالما كان الأطفال أكثر تعلقا بمن يشعرهم بأنهم محط اهتمام وعناية لديه، وإن الآباء والمربين حيثما كانوا هم أشخاص مهمون في أعين صغارهم، ومنبع تأثير وإلهام، وإن من المهم أن تظل تلك النظرة دوما متألقة في أعينهم لتولد باستمرار نوعًا من الثقة والتشوق إلى مزيد من التلقي والاستجابة الجيدة.

إن مبدأ الخدمة هذا هو ما ينبغي أن يؤسس علاقة المربين بصغارهم، والخدمة تتم في جو من اللطافة والرغبة والإيجاب والقبول، فيتعامل فيها المربي مع من يربيه كروح طليقة وإرادة حرة ومستقلة تستحق كامل الاحترام والتقدير والنصح بالتي هي أحسن وترك مساحة للخيار، غير أن هذه الروح حديثة العهد بالوجود تفتقد إلى التجربة والخبرة، وهي تحتاج إلى الرعاية والمساعدة وإلى إكسابها خبرات ومهارات حياتية تؤهلها للعيش بكرامة وكفاءة، ومن الواجب الإنساني والأدبي والشرعي على المربي أن يحرص على تقديم هذه الخدمة لها بأفضل أسلوب وأرفع جودة ممكنة، تحافظ على الشعور الداخلي بالكرامة الإنسانية، وتُكوِن لدى المتربي المغزى الشخصي الخاص به. كما أن الخدمة تحتاج إلى التجديد والتحسين والإبداع باستمرار، ومجرد اعتقاد الإنسان بعدم امتلاكه للمعرفة الكاملة والصواب المطلق كفيل بأن يجعله يقف موقف المتسامح والمنفتح على التغيير، وأن يمارس شيئًا من النقد الذاتي لخدمته التربوية وأسلوبه في الأداء.

على هذا النحو، وباعتبار التربية خدمة جليلة تقدمها الأجيال لبعضها، لا مجرد وصاية تفرضها على بعضها البعض، تتم صناعة الإنسان المكرم والمستخلف في الأرض، وتؤدي التربية وظيفتها الحقيقية ويتجذر الحس الإنساني في النفوس وتتقوى الروابط الاجتماعية، وتتحسن وضعية الإنسان في الوجود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست