• سأل أحد الشباب المرحوم الشيخ محمد الغزالى عن حكم تارك الصلاة فأجابه بقوله: «حكم تارك الصلاة أن تقنعه بالصلاة وتأخذه معك إلى المسجد». وبهذه الإجابة العبقرية لخص له الغزالى ما ينبغى عمله مع تارك الصلاة وهو أهم من الحكم عليه هل يكفر بذلك أم لا يكفر؟ وهل هو كفر أكبر أم أصغر؟ وهل يقاطعه أو لا يقاطعه؟ إلى هذه التفاصيل التى تهتم بالحكم النظرى دون إرشاد للشاب على ما ينبغى عمله واقعيا.


• إن أكثر الشباب السلفى صالح وطيب يحب ربه ودينه ويواظب على الصلاة ويحب الخير ويذكر الله كثيرا ولكن مشكلته الأساسية تتمثل فى فكره وطريقة تعامله مع النصوص.. فهو يهمل عادة النظر فى العلة من الأحكام الشرعية.. مع أن الحكم فى كل المعاملات يدور مع علته وجودا وعدما.. فالعقائد والعبادات غير معللة لأنها تحتاج إلى الإيمان واليقين والتسليم والاستسلام.


• ولذلك لا يهتم الشاب السلفى مثل معظم أساتذته بمدرسة الرأى فى الفقه الإسلامى التى قادها الإمام العظيم المجدد «أبى حنيفة النعمان».. بل إن بعض المدارس السلفية شنت حربا شعواء ظالمة وباغية على هذا الفقيه العظيم وعلى من حذا حذوه.. فى الوقت الذى يركزون فى دراساتهم على فتاوى ابن تيمية ويكاد بعض التلاميذ يختصرون الفقه عليه وحده مع أنه يعد تلميذا من تلاميذ مدرسة الحنابلة فى الفقه وهى أقرب لمدرسة الحديث من الفقه.. بل إن أكثر التلاميذ والشيوخ يأخذون الجزء المتشدد فى آرائه ويعجبون بها وقد يضعونها فى غير موضعها وينقلونها إلى زمان غير زمانهم وأحوال غير الأحوال التى قيلت فيها.


• والنظر والتأمل فى علل الأحكام مهم جدا لتطوير فكر المدرسة السلفية فقد نهى رسول الله «ص» عن حمل المصحف إلى بلاد غير المسلمين فى حديث صحيح وكانت علته هو حماية المصحف من الإهانة لأنهم كانوا يفعلون ذلك قديما.. أما الآن فالمصحف مكرم الآن فى كل مكان ويطبع ويوزع فى أوربا وأمريكا وغيرهما وبالتالى فإن هذا النهى لا محل له الآن لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.. وهذا مثال فقط لدوران الحكم مع العلة ووجوب قراءة الواقع التى تعمل فيها النصوص.


• ولذلك فإن جزءا من المدرسة السلفية يعد قريبا من فكر المدرسة الظاهرية دون أن تشعر.. لأن بعضها يريد حمل كل النصوص على ظاهرها دون النظر والتأمل الدقيق فى علة الحكم ودورانه مع علته وجودا وعدما.. ودون النظر لمقاصد الشريعة الكلية.


• ولذا تجد بعض الشباب السلفى حينما يتعامل مع المرأة لا يتعامل معها إلا عبر نص واحد فى القرآن وهو قوله تعالى «وقرن فى بيوتكن» دون أن يعطى نفسه فرصة التجول والتأمل فى نصوص أخرى كثيرة ليدرك أن البنت منذ قرابة 15 قرنا من الزمان خرجت مع أختها للسقاية لحاجة أسرتها وليست للضرورة القصوى كما يتصورون.. وهى التى أشارت على أبيها شعيب أن يستأجر موسى عليه السلام قبل نبوته «قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُ الْأَمِينُ ».


• فالإسلام لا يريد المرأة متحررة فاسدة ماجنة ولا متقوقعة محنطة ساذجة، فالشريعة الغراء أباحت لها أن تخرج لحاجتها أو حاجة أسرتها أو مجتمعها إليها.


• ويركز الشاب السلفى على قضية النقاب أكثر من تركيزه على أولويات الإيمان واليقين والتوكل والإنابة وترك أمراض القلوب مثل: الحسد والغل والحقد والرياء والنفاق وحب الدنيا أو أولويات الأخلاق الفاضلة الأخرى.. فالنقاب ليس فرضا كما يتصور الشاب السلفى الذى يصر على قراءة كتب معينة توجب النقاب فى الوقت الذى لم يقل بذلك أحد من الأئمة الأربعة ولا معظم تلاميذهم كما أن جمهرة العلماء المحدثين وخاصة من المدرسة الأزهرية والوسطية ترى وجوب الحجاب الشرعى الذى يستر الجسد ماعدا الوجه والكفين وأن النقاب فضل أو مندوب وخاصة إذا كانت المرأة جميلة وتعيش فى وسط سيئ.. ولو أن هذا الشاب اهتم بعلم وفقه الشعراوى لأدرك قيمة كلمته الرائعة عن النقاب «أنه لا يفرض ولا يرفض».


• أزمة الشاب السلفى أنه لا يفكر فى النقاب إلا من حيث الحكم الشرعى فقط أما الذى يغيب عن عقله تلك الصعوبات الاجتماعية والإنسانية والأمنية التى تعانيها المنتقبة فى العمل والشارع وفى دواوين الحكومة بدءا من التقديم لأولادها فى المدارس ومرورا بمنعها من دخول بعض الأماكن الحيوية التى تحتاج إليها وانتهاء بزيارة زوجها فى السجون والأقسام وفرق الأمن وحجوزات الأمن الوطنى.. وما يلاقينه من صعوبات تصل لحد الإذلال والإهانة فى كل مكان أو التهديد بالطرد من الوظيفة.


• وما بكاء أستاذة دار العلوم الفاضلة فى المدرج بعد أن خلعت نقابها تجاوبا مع قرار رئيس جامعة القاهرة.. هذه الدموع تتكرر كثيرا ولكن فى صمت وهدوء لا يشعر به أحد.. أما دموع الأستاذة الفاضلة فكانت ردا بليغا منها على رفض بعض الطلاب لخلعها النقاب وصاحب قولها دموعها «اعذرونى من أجل لقمة العيش».


• والآن أى وظيفة تتقدم لها منتقبة فى القطاعين الحكومى أو الخاص تكاد تكون مغلقة أمامها عند أول باب وفرص تعينيها معدومة.


• إن أحكام الشريعة لا تنعزل عن واقع تطبيقها.. فالواجب الشرعى لا يعمل فى فراغ أو خواء ولكنه يرتبط بالواقع.. وإذا كان الله قد خفف على النساء بفرض الحجاب وليس النقاب.. فلماذا نكلف زوجاتنا وبناتنا والصالحات عنتا لم يفرضه الله عليهن ويزيدهن رهقا.


• والغريب أن أكثر الشباب السلفى يفرض اللون الأسود فوق فرضية النقاب دون دليل أو برهان أو حجة أو قول للفقهاء الأربعة فى مسألة اللون وتتناقله أجيال السلفيين كابرا عن كابر حتى صار كالمسلمات.. ولو أن امرأة سلفية لبست لونا غير الأسود لتلقت اللوم والتقريع من صديقاتها.


• لقد بلغ إلغاء العقل فى هذه المسألة أن الممرضة تلبس الأسود فى المستشفى مع أن كل ما فى المستشفى منذ قديم الزمان لا بد أن يكون باللون الأبيض المبهج الذى مدحه النبى «ص» وأثنى عليه.


• و لك أن تتأمل امرأة فاضلة مثل ياسمين الحصرى وهى ترتدى الحجاب والثوب الأبيض فتعطى للمرأة المسلمة نموذجا رائعا فى العفة والستر والأناقة والهيبة.


• وبعض الشباب السلفى الذى يعيش فى أوروبا يصر على أن تلبس زوجته النقاب والزى الأسود فى بيئة رافضة ومشحونة بالشكوك من المسلمين عامة ومن ذوى النقاب خاصة تكون الطامة الكبرى وتعيش المرأة فى عزلة اجتماعية وحصار أمنى وفشل دعوى متواصل.. فما دامت تريد أن تعيش فى مجتمع ما فعليها أن تتخير من أحكام الشريعة ما يناسبه دون أن تعصى الله أو تصطدم مع ثوابت الشريعة.


• إن نظرة سريعة وبسيطة من عقلك أيها الشاب السلفى لفقه «المصالح والمفاسد» و«فقه المآلات» و«فقه الواقع» و«فقه الضرورات» و«فقه الأقليات» ستجعلك تدرك ما ينبغى عليك صنعه لتخدم الإسلام ولتقدمه للناس غضا طريا نابضا قويا فتيا.. ولتسعد فى نفسك وأسرتك وتسعد مجتمعك.