ومن طبائع نظم الاستبداد كونها تزج بمعارضيها السلميين إلى مواضع متوهمة من اللايقين بشأن أفضل السبل لإيقاف القمع، وإحداث التغيير باتجاه ديمقراطى.

ليس إدراك بؤس وإخفاقات المستبدين بعصى على عموم الناس، ويندر أن يتواصل «نجاح» أدوات الدعاية للحكام والأذرع الإعلامية فى تزييف الوعى العام . فقط لبعض الوقت يقبل الناس الخداع بالوعود الوردية، بمقولات المؤامرات والمتآمرين، بتشويه دعاة الديمقراطية. فقط لبعض الوقت تنطلى على الناس التبريرات المتهافتة للقمع كضرورة «لحماية الوطن وأمنه»، . فقط لبعض الوقت يستجيب الناس لمقايضة الأمن بالحرية وسرعان ما يستفيقون على واقع أليم لا أمن به ولا حرية، فيشتبك معه بعضهم إن على نحو فردى أو جماعى ويعزف البعض الآخر متجاهلا الأوضاع العامة.


وعندها لا يبقى من أدوات لدى المستبدين لمنع الناس من طلب التغيير والبحث السلمى عن بدائل سوى الخوف من التعرض للتعقب والقمع والعقاب. وعندها تتسع عشوائيا مساحات المظالم والانتهاكات لتشمل، كما هو حال مصر اليوم، باحثين جامعيين وصحفيين يجرون وراء الحقيقة والمعلومة ويسعون لتغطية الأحداث المحلية بموضوعية وساخرين من الاستبداد بإبداعات فنية وموسيقية وأدبية وعمال تسلب حريتهم لمطالبتهم بعلاقات عمل عادلة ومدافعين عن الحقوق والحريات يتعقبون دون هوادة . وعندها تصبح الأجهزة الأمنية هى الآمر الناهى فى بنية الدولة،وتتحول سطوتها على المؤسسات الرسمية الأخرى إلى سيطرة كاملة وينتج عنها تشويها كاملا لعمل السلطتين التشريعية والقضائية، وتطلق اليد القمعية على المجتمع دون أدنى اعتبار لسيادة القانون.


فقط الخوف، إذا، هو الذى يقف بين الناس وبين طلب التغيير الديمقراطى والبحث عن بدائل لنظم الاستبداد ما أن ينقضى مفعول تزييف الوعى العام وتتضح عبثية إنكار المظالم والانتهاكات. ولكى يتجاوز الناس أسوار الخوف ويشرعون فى الانتقال بوعيهم إلى مراحل تالية جوهرها إدراك إمكانية تهديم أسوار الخوف من خلال المواجهة العلنية والسلمية، لابد أن يتحمل دعاة الديمقراطية مسئولية تقديم نماذج واقعية فعالة للوقوف فى وجه المستبدين ،وصياغة رؤى ومطالب محددة تستهدف التغيير باتجاه ديمقراطى. وهنا يكمن التحدى الأخطر الذى يواجه اليوم الحركة الديمقراطية المصرية.


لا يلحق تعدد النماذج ولا تنوع الرؤى والمطالب ضررا بمصداقية دعاة الديمقراطية. يستطيع البعض أن يمارس الاحتجاج السلمى على الأرض، وهذا هو ما تنشط بصدده الحركات الطلابية والشبابية والعمالية ــ وفقا لبيانات منظمات غير حكومية محلية، شهدت مصر خلال عام 2015 أكثر من 3000 عمل احتجاجى سلمى ولم تحل دون حدوثهم لا منظومة القوانين القمعية المستندة إلى قانون التظاهر ولا السلب المستمر لحرية قيادات الحركات الطلابية والشبابية والعمالية. يستطيع البعض الآخر أن يستثمر طاقاته فى توثيق المظالم والانتهاكات المتراكمة،وفى التواصل مع الناس لبناء وعى عام يؤمن بحتمية التغيير وفرصه الواقعية؛ وهذا هو ما تضطلع به أصوات وأقلام مختلفة التوجهات الفكرية والسياسية . يستطيع البعض الثالث أن يوظف مجهوده فى المطالبة بإجراءات محددة تستهدف إيقاف القمع ومحاسبة المتورطين فيه ،وهذا هو جوهر ما اقترحته فى المقال الذى نشرته أخيرا جريدة الواشنطن بوست.ويستطيع البعض الرابع أن يصر على التغيير الفورى والشامل من الاستبداد إلى الديمقراطية، فقط عليه أن يدرك أن الواقع المعاش أكثر تعقيدا من ذلك.


لا يلحق تعدد النماذج ولا تنوع الرؤى والمطالب ضررا بمصداقية دعاة الديمقراطية، بل يرتب التخليق الضرورى لمساحات تتجدد باستمرار فى سياق مواجهتهم للاستبداد . فقط التورط فى تسفيه التنوع وإلغاء الرأى الآخر من قبل ممارسى المكارثية زيفا باسم الديمقراطية والحرية هو الذى يضر، ويصطنع المواضع المتوهمة من اللايقين داخل الحركة الديمقراطية، ويطيل من ثم من عمر المستبدين.