أكشاك بيضاء لها قوائم زرقاء أو فضية، بينما عناوينها مَكتوبة باللون الاخضر الفاتح. اختيارات الألوان تحمل فى حد ذاتها منطقا سليما، إذ يُفتَرض بها نظريا أن تريح العين وتجلب الاسترخاء، لكن ما وراء اللون يصنع النقيض. عبرت أمام «أمان» مرات فما شعرت بسكينة ولا هدأ البال.


منافذ الشرطة التى حملت مُسمى: «أمان»، توزع الأطعمة على المواطنين كما هو مُعلَن فى كل مكان. تُغيث الباحثين عن أمن البطون وهم لشديد الأسف كُثر. تقول وسائل الإعلام فى عناوينها التى صارت شِبه مُوحَدة: «منافذ أمان.. الشرطة تحارب غلاء الأسعار». تقول أيضا إن وزارة الداخلية تسهم فى محاربة جشع التجار والاحتكار، وتحافظ على استقرار الأسعار. رصدت بعض المواقع الإخبارية آراء متعددة لمواطنين مِن مختلف المحافظات حول تلك المنافذ الاستهلاكية؛ أكد أغلبهم أن البضائع المعروضة فى هذا الإطار لا تختلف عن مثيلتها فى المُجمَعات الحكومية المنتشرة هنا وهناك، وقال كثيرون إنهم لا يرون فيها جديدا ولا يزورونها لأن أسعارها مماثلة لأسعار السلع التموينية العادية.


***

على كل حال لم أفهم –وظنى أن آخرين مثلى لم يفهموا أيضاــ تلك العلاقة بين مؤسسة الشرطة والأمكنة التى تبيع الناس الاحتياجات الأساسية من الغذاء. لم أفهم العلاقة بين أكياس الأرز من ناحية، وقوات الأمن وأجهزته التى تؤكد لنا كل يوم أنها تحمل أعباء كبرى تنوء بها وتعجز عن استيفائها من ناحية أخرى. لم أفهم سوى أن الأمن تم اختزاله وتجريده من عناصره إلا واحدا، وأن ثمة سوء فهم، أو ربما هو خَلط مُتعَمَد للأوراق.


الأمان شعور لا يمكن استحضاره قَسرا ولا إجبارا. إن توفرت شروطه تولَد تلقائيا وإن غابت زال وتلاشى مِن الوجود، وإذا فُقِدَت الثقة لم يعُد له مَوضع، ولا تشفع فى إرجاعه حينها أقوالٌ مُزينة ولا أفعال براقة ولو ارتدت المُوشى مِن الأثواب. تقول المعاجم العربية إن الأمْنُ ضِدُ الخَوْفِ، ونفهم أنه إذا حضر الخوف أسقط ما عداه. تمحو مُقتضيات القمع بالضرورة جزء مِن الطمأنينة، وتبث بعضا مِن الخوف، وتبعث فى الأوصال رعدة التشكُك والتحسُب مِن كل همسة وفعل، مع ذلك فكثيرا ما يقبل الناس القمع بحثا عن الأمن، ويرضون بالاستبداد تجنبا لتوابع الصِراع، وغالبا ما ينتهى الأمر بخسارة كبيرة، إذ لا يستشرى قمعٌ ولا يتمكن مُستبدٌ دون أن يُحفِز انفجارا.


***


اليد التى تزعم أنها توفر «الأمان» فتعطى الناس سَمنا وزيتا، تأخذ منهم فى الوقت ذاته الحرية والكرامة. توفر المكرونة وتهدد مَن يحتج إزاء مظلمة بإطلاق الرصاص الحى على رأسه. تمنع معارضيها مِن زيارة الوطن، وتسجن مَن هُم بداخله وتؤكد أن هدفها رفع العبء عن كاهل المواطنين.

تُهين أطباءها وتعتدى على محاميها ثم تقول إن الشاى والسكر متوفران لديها، ومِن عجيب الأمور أن يعلن مسئول عن قيام مؤسسة الشرطة بتجهيز عدد من السيارات المتنقلة لخدمة أفراد الشعب وتوصيل الطعام إليهم، لكنه لا يعلن أبدا أمام هذا الشعب خبرا عن عربات الترحيلات المجهزة التى يموت فيها البشر، لا يعلن إنجازه حول رفع المعاناة عمن يقودهم حظهم التعس إليها، وكأنما يقول النظام للناس ضِمنا: نعطيكم أمانا مِن ناحية ونسحبه مِن الأخرى، وكأنما لا ينجز سوى التلاعُب بالألفاظ؛ السعى إلى سد الجوع بينما أمان العقول مَسلوب.


يجرى ربط احتياجات الناس بالمؤسسات الأمنية. الطعام الرخيص مصدره الجيش والشرطة. العلاج مصدره الجيش والشرطة، كذلك تشييد الكبارى والطرق والمنشآت، وكأن مؤسسات وأجهزة الدولة المختصة بتلك الأمور المعيشية والتفاصيل اليومية عاجزة عن الفعل وعن إيجاد الحلول. لا ملجأ إلا المؤسسة الأمنية بمختلف تجلياتها. يرتبط الناس بها ويتحولون إلى «عيال»؛ أطفال يعتمدون على مَن يتحمل مسئوليتهم، فإذا قسى عليهم وتجبَر، لم يكن أمامهم إلا تحمل قسوته والرضاء بها والتزلف إليه اتقاء غضبته، وإذا أمرهم بشىء لم يكن عليهم إلا الخضوع له والنزول على أمره والمسارعة بتحقيق رغبته. هكذا تجرى صناعة شعب مُدَجَن، أغلب شُبانه وشاباته الفاعلين مُقيدى الحُرية، وأغلب عجائزه وكهوله مُرتبطين بإحسان الحاكم إليهم. لا يعيب أحد أن يبحث عما يسدُ به رمقه، بل العيب كل العيب على مِن جوعه واكتنز شحوما ومليارات وترك له الفتات، والعيب أيضا على مَن أغمض عينيه ورضى بجور يعلم منتهاه.


***

مَن يعطى الناس بيده قنبلة الغاز وطلقة الرصاص لا يمكنه أن يعطى باليد الأخرى قمحا ولبنا.