تقول لطيفة الشعلان إن المشهد الذى يحمل فى طياته شكلا فاقعا من التناقض أو المفارقة، أن نرى نساء مصطفات بكل حماسة ضد حقوقهن، ومشاركات باستماتة فى مناهضتها، وفى عداء من يمثلها أو يطالب بها. التفسير المتداول بكثرة لهذا الواقع الغريب، هو أن المرأة عدو المرأة. لكن مثل هذا القول لا يقدم معرفة، بقدر ما يعكس إحساسا بالامتعاض، المنطوى على رائحة هجاء جندرى. هو قول يختزل المشهد اختزالا شديدا، لأنه يتوسل بطبيعة سيكولوجية مفترضة للمرأة. أو يحاكى البعد الجنسوى، فالمرأة امرأة بإطلاق، مهملا الشرط الثقافى الاجتماعى الذى تنشأ فيه ممانعة هؤلاء النساء.


بداية، يمكن القول إن الممانعات لحقوق المرأة لسن مجموعة واحدة. هناك المتن وهناك الهامش. المتن يتمثل فى شريحة عليا من الأصوليات يشكلن الملهمات الحارسات، ممانعتهن عن وعى، وقائمة على حلف غير مقدس مع الأصولية الذكورية. هؤلاء الملهمات تحركهن أيديولوجيا ذات غايات سياسية، إلا أن من ضمن أهدافها حراسة امتيازات الطبقة والمكتسبات الشخصية.


أما ممانعة النساء البسيطات واصطفافهن ضد حقوقهن، فهى ممانعة الهامش، أو من تعرض لعملية تزييف ممنهجة للوعى. هى ممانعة من يخشى من الاستقلال فى مجتمعات تسودها الأنساق المتخلفة، وتفتقد ثقافة الحقوق ومؤسساتها. المرأة التى ترعرعت تحت جناح الرجل وفى ظل سيطرته الكاملة خلال جميع مراحل حياتها، تخشى ممارسة حقوقها التى تعادل الفردية وفك الاندماج مع الآخر الذى تستلهم منه الحماية.


يصبح الرجل هو الخصم والحكم فى ظل أعراف وتشريعات منحازة، فتخضع امرأة الهامش له. لكنها تعلمت من خلال تلقين وتهذيب الملهمات الحارسات، أو نساء المتن، أن تربط هذا الخضوع بقيم عليا. تصبح دونيتها فى عين نفسها: دينا وأخلاقا وأعرافا وشرفا وطريقا ممهدا إلى الفردوس. وتصبح قوتها أو استقلاليتها: تغريبا وعلمنة وفسادا وإفسادا وعقوبة فى الدارين. ومن العجيب أن هؤلاء المستكينات فى الهامش، لا ينتبهن إلى كون الملهمات الحارسات يتوسطن المتن، بما فيه من تمكين وأبهة مادية، وقدرة على الحركة فى الفضاء العام، واستقلالية عن الرجل، تناقض ما هن فيه من ضعة وانكسار.


***


وأضافت أن المطالبات بحقوق المرأة يجابهن نوعا آخر من الخطاب البورجوازى المتسلق والمحدود الأثر، لكنه المستفز إذا جاء فى أوقات يحتدم فيها الجدل، ليزايد على التزام أو وطنية الأخريات. قبل سنوات كتبت منتقدة مذيعات وعارضات أزياء سعوديات ورياضيات من بينهن بطلة راليات يقمن خارج البلاد، ويصرحن بين الفينة والأخرى لمجلات الزينة والموضة، بأن النساء فى الداخل لا ينقصهن شىء. كان مما قلته، إن هذه إما حالة من الانتهازية التى لا تأخذ فى اعتبارها غير استثنائية الذات الخارجة عن الحدود وعن الأقواس، وإما صورة خام للانفصام بين الحداثة الشكلانية والحداثة الفكرية.


حقوق المرأة هى أحد المفاهيم الحداثية ذات المرجعية الغربية فى أساسها، لكن بدلا من الارتهان إلى سجال أيديولوجى أو معركة مصطلح كعادتنا، علينا فتح الإضبارة الشائكة ومواجهة التحدى المؤجل.


إن الخطوة الأولى لتأصيل حقوق المرأة، وتعديل القوانين والتشريعات المنحازة، يستلزم مناخا تتوقف فيه الانتقائية فى اختيار الشواهد والأدلة، التى جعلت أحوال المرأة مرتهنة إلى أشد الأحكام وأقساها. ويستلزم مناخا مؤسسيا يأخذ من المذاهب الفقهية الأخرى، فما زعم أحد من أئمة هذه المذاهب (رحمهم الله) العصمة لنفسه. ومناخا بحثيا يحث على التفكير فى اللامفكر فيه بلغة أركون. ومناخا يصون ويشجع حرية البحث والاجتهاد، جاعلا من فقه الواقع وتقديم الأيسر على الأحوط أولوية.


تتعرض المرأة فى المجتمعات العربية والإسلامية إلى قمع مزدوج. تقمعها التيارات الأصولية وتفسيراتها الأكثر ضيقا وتشددا، كما يقمعها السياسى فى شكل غير مباشر برعايته للأوضاع القائمة خشية التصادم مع قوى متحالفة، أو لقناعته بعدم فعالية القرارات الفوقية فى إحداث تغييرات مأمونة فى أوضاع المرأة.


***


واختتمت المقال بالإشارة لفريدة النقاش التى لفتت الانتباه إلى عملية تسميها المقايضة، وتصفها بأنها أدت بالمرأة وبالمجتمعات العربية إلى نتائج كارثية. يمكن لأى منا أن يجد مثالا على هذه المقايضة من الواقع العربى. لدينا نساء يدلين بأصواتهن فى انتخابات المجالس التشريعية ثم يرزحن تحت قوانين مجحفة فى الأحوال الشخصية. أو نساء يتمتعن بالتحرر الاجتماعى ثم يحرمن من حقوقهن السياسية.


صفوة القول: إن العلاقة قوية بين أنماط التخلف، فكل نمط يجر إلى آخر ويؤثر فيه. وملف حقوق المرأة يتجاوز دفع عجلة التنمية، إلى كونه يقع فى القلب من كل إصلاح، بدءا من السياسى والاقتصادى وانتهاء بالاجتماعى والدينى.

الحياة ــ لندن
لطيفة الشعلان