بعد ثلاثين عاما من رحيله، طافت فى ذاكرتى، على نحو يعلوه ضباب، إحدى رباعياته.. فى البداية، لاح المعنى وغابت الكلمات. لكن، مع تطور الأحداث، وتباين المواقف، أخذ الضباب ينحسر ويتلاشى، لتسطع الرباعية كاملة، ناصعة، مضيئة، جميلة كقوس قزح، تعبر ببلاغة، ودقة، عما جرى، ويجرى.


أصل الحكاية أن اثنين من الشباب، لم يتجاوزا العشرين من العمر إلا قليلا، حلا لهما الإقدام على مداعبة ثقيلة، مع عدد من العساكر الواقفين فى ميدان التحرير، بتقديم بالونات، هى أصلا، مثل آلاف البالونات التى تباع منفوخة، فى الحدائق، وعلى نواصى الشوارع، من الواقيات الذكورية.. ولأن أولادنا العساكر، أبناء مصر الطيبين، لم ينتبهوا لأصل البالونات، تقبلوا، بحسن نية، الهدايا الصبيانية الجارحة، فرحين ضاحكين.


المزحة سخيفة، تفتقر للحس الإنسانى، لا أحد يستطيع الدفاع عنها أو استساغتها.. لكن ثمة أمرين جديران بالتوقف، يثيران ما يستحق الانتباه، والمناقشة:


صورة قديمة لكل من الشابين على حدة، أحمد مالك، وشادى حسين، إبان ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وما تلاها من وقائع.. أحمد مالك، الممثل الموهوب الواعد ــ الذى ينتظره مستقبل كبير بعد خروجه من هذه الورطة ــ مصابا فى جمجمته، إثر ضربة هراوة فيما يبدو.. وشادى، مدمدا على فراش، مكشوف الصدر، آثار رشقات الرصاصات المطاطية واضحة فوق جلد ضلوعه.


إذن، الشابان من مصابى الغضب على الواقع، والأمل فى التغيير، شأنها فى هذا شأن الآلاف ممن واجهوا بطش الشرطة.. تلك المؤسسة التى كانت، منذ فجر التاريخ، ونشأة المدن، وفى كل بلدان العالم، درع النظام ومخلبه وظيفتها، ودورها، الحفاظ على النظام القائم، سواء كان هذا النظام مع الشعب أو ضده، وبالتالى ليس هناك معنى لإدانة دور الشرطة القمعى أيام الثورة، بالرغم مما سببته من آلام وجروح وكسور وفقأ عيون.. المسئولية هنا تقع على النظام وليس على الدرع والمخلب.


بعد خمس سنوات من الثورة، جاء عيدها مواكبا لعيد الشرطة، وبينما بدا الاحتفال بعيد الشرطة يليق بشهدائها، يوم وقفوا فى «١٩٥٢» بكرامة وكبرياء، ضد القوات البريطانية التى حاصرتهم، داخل القسم، وأطلقت عليهم وابلا من النيران.. بدا الاحتفال بالثورة أقرب للجنازات، شوارع خاوية، حدائق بلا رواد، أبواب بيوت مغلقة. الحالمون بالعيش والكرامة والعدالة.. أين ذهبوا؟


الإجابة، تأتيك جزئيا، ممثلة فى شادى حسين وأحمد مالك، ذلك أنهما تحولا إلى عابثين، ساخرين، مهرجين، وأصبح شادى، مراسلا لـ«أبلة فاهيتا»، الدمية، سليطة اللسان، ذات الشعبية الجارفة، القادرة على هز الوقار المفتعل للسادة، الذين يجسدون كبرياء التفاهة.


الكوميديا البذيئة، سلاح من لا سلاح له، هى عزاء الذين سحبت الأرض من تحت أقدامهم، وهذا فى ظنى، حال مراسل «أبلة فاهيتا» وصديقه الممثل الذى شاهدته، موهوبا، فى عدة مسلسلات وأفلام.


عقب انتشار الدعابة الثقيلة، قامت الدنيا ولم تقعد.. غربان الخزائب، علا نعيقهم، فى القنوات التليفزيوينة، شتائم وسخائم وأقوال نابية وأوصاف فاحشة. أحدهم كاد يلطم صلعته، وآخر، ضخم الجثة، أبدى شكوكه فى الفنان أحمد حلمى وكاد يتهمه بالشذوذ، لأنه وقف بجانب الشابين، وثالث، اتهمهما بالخيانة والعمالة لإسرائيل وأمريكا.. وتطوع البعض، من العاملين فى مجال التمثيل، لنوبة الهجاء الهيستيرى، مقترحا عقابهما بتنظيف دورات أقسام الشرطة، يوميا، لمدة شهرين.. ولم يفت ندابة الجنازات، ذي الشعر الأبيض، الذى يهدد خصومه بالضرب بالحذاء وإحضارهم «بلابيص» أن يدلى بدلوه فى بئر العفن ليرش به والدى الشابين.


زادت حالة الفزع والنقمة عن حدها، انقلبت الأمور، وأصبحت الزاوية من نصيب المتظاهرين بالورع، وبالوقوف إلى جانب العساكر.. فى ذات الوقت، وقع الشابان فى قبضتى التخبط والحيرة، مرة يعتذران، ومرة يسحبان اعتذارهما.. ثم يبديان دهشتهما للذعر الذى يتسبباه.. ولأنهما لا يملكان ملكة صلاح جاهين، الغائب الحاضر، الذى يعبر عن حالهما حين يبدأ رباعيته بـ«أنا قلبى كان شخشيخة أصبح جرس/ جلجلت به صحيوا الخدم والحرس».. ثم، وهذا بين القصيدة «أنا المهرج.. فمتوليه خفتوا ليه/ لا فى إيدى سيف ولا تحت منى فرس/ عجبى!!»