تحولت الأنفاق الفلسطينية إلى فزاعة تلاحق الإسرائيليين فى الصحو وكابوس لا يفارقهم فى المنام. وإذ ظل الهمس يدور حول الموضوع فى أروقة السلطة وقيادة الجيش الإسرائيليين منذ العدوان على غزة عام ٢٠١٤. فإنه ظهر إلى العلن فى الأسبوع الماضى حين عرف أن سبعة من عناصر كتائب القسام استشهدوا بعدما انهار عليهم نفق كانوا يشاركون فى حفره باتجاه إسرائيل فى نهاية شهر يناير الماضى. وهو ما اعترف به المسئولون فى القطاع حين أقيم حفل تأبينهم، الأمر الذى أحدث دويا فى داخل إسرائيل وأصبح موضع تعليق يومى فى مختلف وسائل إعلامها. وعلى الفور شاع الخبر فى أوساط سكان المستوطنات القريبة من الحدود. الذين أصابهم الذعر حتى أصبحوا يعتبرون كل صوت يسمعونه أو يتوهمونه فى باطن الأرض نذيرا بوصول شبح الأنفاق إلى بيوتهم، حتى شَكَت الشرطة من كثرة الشكاوى من ذلك القبيل. وقد صدم الإسرائيليون حين أبرزت صحفهم ما قاله عضو المكتب السياسى لحركة حماس خليل الحية فى حفل التأبين إن مجموعة الكوماندوز التى كان تباشر الحفر واستشهد أغلب أفرادها سبق لها أن نجحت فى أسر الجندى الإسرائيلى شاؤول أرون عبر ذات النفق أثناء عدوان عام ٢٠١٤. وأبرزت وسائل الإعلام تصريحات السيد إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسى لحركة حماس التى قال فيها إن حفر الأنفاق سوف يستمر للدفاع عن القطاع ضد العدوان، وأن طولها بلغ ضعفى طول الأنفاق التى بنيت خلال حرب فيتنام. وفى الوقت ذاته نقل عن أحد القياديين فى القطاع قوله الأنفاق المحفورة تحت الأرض يتجاوز عددها ٥٠ نفقا ولها أعين مختلفة ومتشعبة. وهى موزعة على طول الشريط الحدودى للقطاع مع إسرائيل.


فى تقرير نشره موقع «الخليج أون لاين» فى ٣/٢ الحالى أن القيادى الفلسطينى سابق الذكر تحدث عن أن إسرائيل انتبهت إلى وجود الأنفاق فى عدوانها الأخير. وحاولت تدميرها إلا أن عناصر المقاومة استطاعوا خلال عام ونصف العام تقريبا ترميم ما تم استهدافه منها. كما نجحوا فى حفر أنفاق أكثر عمقا أسفل الأرض باتجاه البلدات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع. وليست تلك المفاجأة الوحيدة، لأن الخبراء الفلسطينيين استطاعوا حفر الأنفاق بحيث تكون بعيدة عن متناول أجهزة الاستشعار. فضلا عن أنه تم تجهيزها بحيث تتمتع بصلابة تمكنها من احتمال القصف الإسرائيلى والقنابل الارتجاجية التى يمكن أن تستهدفها من الطائرات أو الدبابات. ومن ثم توفر الحماية اللازمة للمقاومين الموجودين بداخلها. ليس ذلك فحسب ولكن الأنفاق صممت بحيث تكون قادرة على استيعاب إطلاق عدد كبير من الصواريخ المتطورة وقذائف الهاون صوب الأهداف الإسرائيلية المحيطة بالقطاع، وفى الوقت ذاته تظل الأسلحة الدفاعية خارجة عن نطاق أجهزة الرادار الإسرائيلية.


هذه كلها لم تعد أسرارا، لأنها أصبحت متداولة فى وسائل الإعلام الإسرائيلية، كما صارت موضع تعليق وتحليل من جانب العديد من الكتاب. ومن الملاحظات العديدة التى أبدوها فى هذا الصدد أن القبة السماوية التى وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل إذا كانت قد استطاعت حمايتها من الجو، فإنها فشلت فى حمايتها من الأنفاق المحفورة فى باطن الأرض، إلى جانب ذلك فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يكف عن تحذير المقاومين فى غزة وتهديدهم بالويل والثبور إذا فكروا فى اختبار القوة الإسرائيلية. ولم تتأخر الولايات المتحدة عن مساندة الإسرائيليين فى هذا الموقف، فاعتمدت ١٢٠ مليون دولار قدمت منها ٤٠ مليونا بصورة فورية، لتمكينهم من بناء جدار عازل من الصلب فى ثلث الأرض يؤمن حدود إسرائيل من مخاطر الأنفاق، ويحول دون وصولها إلى القرى والمستوطنات المجاورة.


أثار الانتباه فى هذا الصدد أن اليسار الإسرائيلى الذى اعتاد الدعوة إلى التهدئة. تبنى موقفا حادا انتقد فى ظله تراخى الحكومة فى مسألة الأنفاق. وقال زعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ إن رئيس الحكومة ووزير الدفاع يتجاهلان ذلك الخطر، وتساءل فى كلمة ألقاها: ماذا تريدان؟ هل تنتظران أن يخرج «الإرهابيون» بأسلحتهم ويظهروا فى داخل كيبوتس أوموشاف (عزبة أو قرية زراعية صغيرة)؟ أضاف أن سكان غلاف غزة يقولون إنهم يسمعون أصوات حفر الأنفاق تحت منازلهم، فى حين أن الحكومة المصرية تقوم بتفجير الأنفاق فى حدود رفح. ولم يكن الوحيد الذى دعا إلى تدخل الجيش من خلال شن حملة لتدمير الأنفاق لأن آخرين رددوا تلك الدعوة واعتبروا الأنفاق بمثابة التحدى الأكبر الذى يواجه إسرائيل فى الوقت الراهن.


فى مواجهة الزوبعة أكد قادة فصائل المقاومة على أن الأنفاق تدخل ضمن الإجراءات الدفاعية والاستعدادات لمواجهة أى عدوان. فيما ذكر بعض المعلقين الفلسطينيين أن إسرائيل تبالغ فى تصوير الأمر وتقديمه باعتباره خطرا كبيرا. لتكون تلك ذريعة لشن عدوان جديد على القطاع.


فى كل الأحوال فإن المشهد ينم عن إصرار الفلسطينيين على الصمود والمقاومة رغم الحصار، كما أنه يجسد عبقرية المقاومة التى نجحت فى توصيل رسالة الخوف إلى إسرائيل باعتباره حدا أدنى لتكاليف استمرار الاحتلال.


أحدث خبر: لتأديب غزة ذكر الكاتب الإسرائيلى جدعون ليفى فى مقال نشرته صحيفة «معاريف» يوم الخميس ٤/٢ أن طائرات سلاح الجو الإسرائيلى رشت بالسم خلال الأسابيع الأخيرة حقول «المنطقة الفاصلة» التى أعلنت إسرائيل عنها بشكل أحادى بمسافة ٣٠٠ متر عن الجدار العازل. وبشهادة المزارعين فى غزة فإن الطيارين يوسعون مهمتهم بحيث تشمل حملة التسميم مساحة ٥٠٠ متر محاذية للجدار.